رغم شهرة محاربي الفايكينج -من الدنمارك والنرويج- بغاراتهم وهجومهم على غرب وجنوب أوروبا، وبالأخص إنجلترا وفرنسا، وحتى وصلوا إلى إيطاليا وأسكتلندا وأيرلندا، وقاموا بالسيطرة على أجزاء من تلك البلدان، أو حتى إقامة مستعمرات والاستقرار هناك، مثل مقاطعة نورماندي في جنوب فرنسا، ومنهم من حكم إنجلترا، مثل: كنوت العظيم في 1016، إلا أن قسمًا آخر من مغامرات الفايكينج يقع ضحية للجهل أو التجاهل تمامًا.

محاربو الفايكينج القادمون من السويد بالأخص، لم يتبعوا المحاربين الأوائل من الدنمارك والنرويج، وإنما اتجهوا شرقًا في أوروبا، ويمكن اعتبارهم شيدوا روسيا، التي سميت على اسمهم، وحتى وصلوا في قوافل تجارية إلى الدولة العباسية في بغداد، لكن القسطنطينية دائمًا ما كانت اهتمامهم الأول، كونها أغنى وأهم مدينة في العالم، ومركز التجارة بين آسيا وأوروبا، وبالفعل وصلوا هناك وحاولوا مهاجمة المدينة، لكن انتهى بهم الحال لحمايتها.

لماذا القسطنطينية؟

نظم الفايكينج السويديون رحلات استكشافية، وبعثات تجارية نحو شوق أوروبا بحلول القرن التاسع الميلادي، خصوصًا حول نهر الفولجا أطول أنهار أوروبا، باتجاه روسيا الحالية، يُعتقد أن هدفهم الأساسي كان التجارة والبحث عن الثروة، فقاموا بغارات على المدن للحصول على عبيد، يقومون ببيعهم في الأسواق، واتخذوا من بعض القرى التي سيطروا عليها مركزًا لهم، أو شيدوا قرى خاصة بهم.

ومع الوقت اكتسبوا لقب «rus»، ويُعتقد أنه جاء من لفظ «Ruotsi»، الذي استخدمه سكان فنلندا لوصف السويديين، والذي بدوره مستمد من لفظ شمالي قديم، ويعني طاقم من المجدفين، لشهرة الفايكينج في صناعة واستخدام السفن.

امتد نفوذهم ومستعمراتهم حتى البحر الأسود وبحر قزوين، واحتلوا بيلاروسيا وأوكرانيا وما حولهم، مقتربين من الإمبراطورية الرومانية الشرقية ما يُعرف حديثا بـ«الإمبراطورية البيزنطية».

خلال تلك الفترة أيضًا، كانت قوافلهم التجارية قد وصلت إلى بغداد، بحثًا عن الدينار الفضي الخاص بالدولة العباسية، حينها كانت بغداد منارة الشرق، وعاصمة الخلافة، وتعتبر أكبر مدن العالم سكانًا بوقتها، لكنا لم تثر شهية الفايكينج كما فعلت القسطنطينية.

فقد سمعوا عن المدينة ذات الجدران العالية، أغنى وأجمل بلاد العالم، المدينة الوحيدة التي ما زالت تستخدم عملات من الذهب، بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية «الغربية»، حيث اختفى الذهب من أوروبا تقريبًا.

بالإضافة إلى تجارة الحرير التي اشتهرت بها المدينة، وكانت القسطنطينية مركزًا لها، واعتبر الفايكينج الحرير ثروة ومنتجًا مرموقًا على نطاق واسع، وكانوا على استعداد لمبادلته بالعبيد أو الفراء والعسل.

حصار القسطنطينية

لا يُعرف بالضبط متى وصل الفايكينج لأول مرة إلى القسطنطينية، ولكنه كان بالتأكيد قبل عام 839، عندما وصل ممثلو روسيا من الفايكينج إلى فرنسا جزءًا من البعثة الدبلوماسية البيزنطية، أي أنهم كانوا بالفعل في علاقات دبلوماسية وتجارية مشتركة.

على أي حال في يونيو 860، حدث ما أُطلق عليه «حصار القسطنطينية»، حيث شن الفايكينج هجومًا مفاجئًا على القسطنطينية، حيث كانت المدينة دون حماية فعلية، فكان الإمبراطور البيزنطي «مايكل الثالث» يقاتل مع جيشه الخلافة العباسية في آسيا الصغرى وتركيا، في واحدة من المناوشات العديدة بينهما، بينما كانت البحرية تتعامل مع غارات القراصنة العرب في البحر الأبيض المتوسط.

قاموا بنهب ضواحي القسطنطينية وشنوا غارات ساحلية حول البحر، أحرقوا فيها المنازل والكنائس والأديرة وذبحوا خدام البطريرك، ومع ذلك، لم يحاولوا قط اختراق أسوار المدينة قبل مغادرتهم فجأة في أغسطس، عزا البيزنطيون الفضل في التدخل الإلهي، وإنقاذهم من أيدي تلك الوحوش، لكن من المحتمل أن يكون الفايكينج قد غادروا للتأكد من أنهم يستطيعون العودة إلى ديارهم قبل حلول فصل الشتاء.

لكنهم عاودوا الكرة في عام 907، عندما واجه أسطول الفايكينج المكون من ألفيسفينة، السلسلة الحديدية التي استخدمها البيزنطيون لقطع الطريق ولإغلاق الموانئ أمام السفن، لكن الفايكينج لم يستسلموا أمام ذلك، وسحبوا سفنهم لأحد الشواطئ القريبة، وحملوها على اليابسة إلى ما بعد السلسلة، وأنزلوها إلى المياه مجددًا، واستكملوا الهجوم، قبل أن يصدهم البيزنطيون.

لا توجد روايات بيزنطية عن هجوم الفايكنيج في 907، ومع ذلك، يُعتقد أن القصة كان من الممكن أن تكون خيالية، كطريقة لشرح اتفاقية تجارية لاحقة بين الفايكينج والبيزنطيين، حيث يمكن أن الفايكينج رضخوا إلى التجارة السلمية مثلًا بعد أن فشلوا في احتلال المدينة.

ثم كان الهجوم الأخير في عام 941، حيث شن الفايكينج هجومًا كارثيًا على القسطنطينية، أثناء غياب الجيش البيزنطي والبحرية مرة أخرى، نزل أسطول من 1000 سفينة على القسطنطينية، ليتم القضاء عليهم باستخدام ما عُرف بـ«النار اليونانية»، التي أشعلت النار في سفن الفايكنيج فورًا.

غرق بعضهم مثقلون بدروعهم الحديدية، أما الذين تجنبوا النيران بالقفز في البحر فغرقوا تحت السفن الضخمة، بينما اشتعلت النيران في آخرين وهم يسبحون، عندما وصلت التعزيزات البيزنطية أخيرًا، أبحر الفايكينج عائدين إلى ديارهم بعد الهزيمة.

حماة المدينة

بين أعوام 978:980، وقع صراع داخلي بين أمراء الفايكينج المتحكمين في شرق أوروبا، فلاديمير حاكم كييف في أوكرانيا وإخوته، لكنه تمكن من سحقهم بفضل ما يزيد عن 6 آلاف من المحاربين الجدد القادمين من السويد، وأصبح المتحكم في المنطقة بأكملها، وربطته علاقات طيبة وتجارية مع البيزنطيين.

وعندما واجه الإمبراطور البيزنطي «باسيل الثاني» انتفاضة داخلية في عام 987، طلب المساعدة من فلادمير في مقابل الزواج من شقيقة الإمبراطور، وافق فلاديمير بالفعل وأعطاه 6 آلاف من المحاربين مرتزقةً، والمعروفين باسم «Varangians» لتمييزهم عن الذين اندمجوا مع سكان أوروبا وفقدوا هويتهم المميزة.

أُعجب الإمبراطور بالضراوة التي حارب بها الفايكنيج مع المتمردين، وطلب بقاءهم في مقابل ثروات عظيمة، ولأن حلم الفايكينج في احتلال القسطنطينية، كان من أجل الثراء والكنوز وافقوا، وأصبحوا نخبة الحرس الإمبراطوري لحماية المدينة والعمل كحراسه الشخصيين، ومع عدم وجود روابط محلية أو روابط عائلية يمكن أن تقسم ولاءاتهم، أو أي سبب ديني أو عداوة مع المدينة من الأساس، وعدم القدرة على التحدث باللغة المحلية، فكانوا أقل عرضة للفساد بكثير من الحراس اليونانيين (كان البيزنطيون يُطلق عليهم الإغريق أو اليونانيون وكانت اليونانية اللغة الرسمية).

مع الوقت اكتسبوا مكانة عظيمة، وحصلوا على رواتب أعلى من غيرهم، وكانوا معروفين بولائهم المتعصب للإمبراطور عبر الأجيال، وظلوا إلى جانب الإمبراطور في جميع الأوقات، يرافقونه إلى المهرجانات والحفلات والأنشطة الدينية والشؤون الخاصة، وعاشوا داخل القصر الإمبراطوري للتأكد من وجودهم في الجوار في جميع الأوقات، وحتى حراسة حجرة نوم الإمبراطور عندما يكون نائمًا، كذلك كانوا مسؤولين عن السيطرة على الحشود وتأكدوا دائمًا من وجود طريق للفرار من أي تجمع.

حتى عند وفاة الإمبراطور الذي يخدمونه، تم منحهم حقًا شرعيًّا في أخذ أكبر قدر ممكن من الذهب من الخزانة، بقدر ما يمكنهم حمله بيدين، كآخر هدية من الإمبراطور لحراسه المخلصين.

بطولات الفايكينج في القسطنطينية

في ساحة المعركة، كانوا نخبة قوات المشاة، والورقة الرابحة في أي حرب، حيث غالبًا ما كانوا خلف خط المعركة الرئيسي، منتظرين وصول المعركة إلى نقطة حرجة، والتدخل لحسمها، أو حماية الإمبراطور في حالة الهزيمة.

ومثلًا في معركة «ملاذكرد» الكارثية عام 1071، في مواجهة الأتراك السلاجقة، تمرد الجيش البيزنطي وهرب من المعركة، لكن الفايكينج حاربوا للنهاية وماتوا دفاعًا عن الإمبراطور، الذي وقع في الأسر بالنهاية.

كذلك شاركوا في كل حملة بيزنطية كبرى، من حروب صقلية إلى الأرض المقدسة، إلى مقدونيا وإيطاليا، إلى جانب المعارك البرية، تم توظيف الفايكينج لقمع القرصنة والنزاعات البحرية الأخرى، بسبب خلفياتهم البحرية وكونهم بحارة بالفطرة.

نهاية فايكينج الشرق

بالتدريج، انحصر احتكار الفايكينج للحرس الإمبراطوري، خاصة بعد غزو النورمان لإنجلترا بقيادة «وليام الفاتح» في 1066، وهروب عدد كبير من الأنجلو-ساكسون، من سكان إنجلترا بعد هزيمة ملكهم، وفرارهم إلى القسطنطينية طمعًا في الثروة.

وبعد الهزيمة في معركة «ملاذكرد» عام 1071، قلت أعدادهم بشكل كبير، مع غياب المحاربين الجدد، ومع ذلك، واحدة من أشهر إنجازات الفايكينج كانت في معركة «بيرويا Beroia» عام 1122، حيث هرب الجيش البيزنطي الرئيسي مجددًا، لكن الفايكينج مرة أخرى صمدوا بعناد، ثم تقدموا وشقوا طريقهم عبر دفاعات العدو، وهاجموا قائدهم وهزموا الجيش، وحققوا النصر للإمبراطور.

استمرت الأمور على حالها، حتى استولى الصليبيون على القسطنطينية في عام 1204، خلال «الحملة الصليبية الرابعة» ودمروا المدينة، وهزموا حاميتها من 6 آلاف تقريبًا من الفايكينج، بالرغم من مدافعتهم عنها ببطولة واستماتة.

تبع ذلك فرار الإمبراطور مع الأعداد القليلة المتبقية، وأنشأ القادة البيزنطيون المتبقون دولًا صغيرة، مثل إمبراطورية «نيقية»، والتي تمكنت من استعادة القسطنطينية في عام 1261 وإعادة الإمبراطورية البيزنطية، ويُعتقد أن الفايكينج لعبوا دورًا في استعادة المدينة من الصليبيين، وحتى كان بعضهم في خدمة الحاكم الصليبي.

استمر تواجدهم المحدود في الإمبراطورية الضعيفة، وبحلول القرن الثالث عشر، أصبح الحرس وظيفة رمزية واحتفالية أكثر من كونها عملية، حتى سقوط القسطنطينية في 1453، على يد العثمانيين بعد قرون من الضعف والانحلال، ومع فنائها انتهت أسطورة الفايكينج هناك، في رحلة لا تقل أهمية أو ملحمية عن أي من مغامراتهم في مكان آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد