فيما قبل ميعادها، 30 يونيو (حزيران) لم تكن الصورة لدى الشباب -إلا القلة الإخوانية والمتعاطفون معهم-إلا ثورة إلى حين قبل نشوبها، من تيار ليبرالي إلى يساري كانت دعوات النزول إلى الشارع صارخة، ومن ينكر ذلك فهو أعمى، لا شك أن العواجيز والأفاقين كانوا يشغلون أغلب المقاعد من الثوار على ذلك الحكم، لكن ما كان لب الثورة إلا التحالف العلماني بين اليسار واليمين ومن خلفهم التيار الإسلامي المنشق (السلفيين).

كانت القوى الإسلامية في البلاد تجتاح، لن ينكر أحد ما قام به الإسلاميون من أسلوب الترهيب والترغيب، فمثلًا كان صراع نعم أو لا الخاص بالدستور هو صراع الجنة والنار، من ينزل ليقول لا، هو كافر وسيدخل جهنم من أوسع أبوابها، أما من ينزل ليقول نعم، فسينكح الحور العين الكواعب الأتراب حتى يقول كفى! وكان شيوخ القنوات من الناس والرحمة وغيرها يعلنون ميولهم ويدخلون اسم الله في تلك الميول، سمعت البعض بأذني يقول: «من يعارض الحكم الآن يعارض الله». وآخرين يزعمون «من لا يرى خير الإسلاميين في مصر فهذا غضب من الله». ورجعنا لنغمة السلفيين في بداية 25 يناير (كانون الثاني) أن الخروج على الحاكم حرام، لكن موقفهم لم يثبت بل أحلوا الخروج على حكام الفساد والظلم، لكن عندما تقلد الإسلاميون الحكم شعر السلفيون أن الدور آت عليهم لا محالة فــــــــــ«رجعت ريما لعادتها القديمة». وأصبح الخروج عليه حرام في كل الأحوال!

كان سلاح التكفير والحرام والحلال والتحدث باسم الله يشعرني أننا عدنا لعصور أوروبا الوسطى والكهنوت المسيحي، هذا أزعج الحركات التي دعمت الإسلاميين في مواجهتهم مع أحمد شفيق في إعادة الانتخابات، الحركات من اليسار إلى اليمين إلى حزب الكنبة إلى المتربصين من العسكر وأتباعه من الأجهزة كالشرطة والإعلام، كان هذا خاطئًا لا شك في ذلك ما فعله مشايخ الإخوان، لكن ما الذي فعله من شعروا بالخطأ؟

بعد مرور الـ100 يوم الذين وعد بهم الرئيس المعزول محمد مرسي لتحل على مصر النهضة، كان العلمانيون من جميع الفئات السالف ذكرها متصيدين لكوارث الحكم الإسلامي، فهم لم يشعروا بالراحة وسط هذه التصرفات الإسلامية المخوفة للنقاش الموضوعي الإنساني السلس الذي يريدونه، فبدأت المعركة السياسية التي شهدناها منذ بدايات يناير 2013، اتحد الليبراليون والاشتراكيون مع بعضهما البعض مكونين معارضة شديدة نشروها عن طريق الإعلام، من الثغرة التي فشل الإسلاميون في سدها، ثغرة الديمقراطية. وجدنا الأصوات من أحمد سامر ومؤمن سلام ومراد وهبة ينتقدون الأصولية الدينية ويلعبون على عاطفة الحرية والوعود الغبية التي أطلقها الإخوان المسلمون، لكن النظام قدر على التوغل ودخل في مناظرات متعددة حول الأصولية وكفر العلمانية والدفاع عن تلك الوعود وطلب الصبر.

 بعد فترة قدرت منظمات الدولة من عسكر وإعلام على إخراس ألسنة الإخوان وقطعها عن الشعب، وظهر دعاة الحرية مؤثرين على الأنفس المحايدة أكثر، ودعوا للثورة، حينها اختلط الأمر على الثوار، أصبح كل من في عداء مع الإسلاميين هو صديقي، وعندما دعى عبد الفتاح السيسي لنزول الشوارع، كان من عواجيز يأملون الكبت ويد الجيش الحديدية العديد، ومن الشباب من من أملوا الحرية أكثر وأكثر؛ فوقعوا في الشرك أمام أعداد العواجيز وقوة النظام الذي يدعمونه، كان الشباب منشق إلى مريدين للإسلامية و إعطائها المزيد من الفرص، وبين ثوّار يرون فظاعة حكم الإسلاميين.

في مناظرة أُقيمت في مكتبة الأسكندرية على مناظرات العرب الجديدة حيث كان الطرفان (سوزان ندا ممثلةً لليسار الثائر وحسام أبو البخاري ممثلًا للتيار الإسلامي) قال حسام أبو البخاري عبارة كان يجب أن ترشق في أذني سوزان ندى ولا تخرج منهما:

عارضوا النظام كما تشاؤون، لكن لا تلجؤوا للعسكر، وتذكروا أن في عهدهم مات شباب الثورة التي تدافعون عنها وعن مبادئها!

للأسف، وقعت التيارات المعارضة لجذب الإعلام، وقعوا في شركٍ هو السبب فيما نحن فيه، ما كان الإعلام بقادر أن يجمع حشود العواجيز من دون الشباب، وما كان العواجيز قادرين على صنع استمارات تمرد وتحريكها في الشارع المصري وجمع توقيعاتها، الإعلام ليس بقوي التأثير على الواقع السياسي إلا إذا دعمه أفراد متنوعون، فإذا رأيت الخمس أو الست قنوات ذاتها وذات الأشخاص لشعرت مع الوقت أنهم أفاقين، لكن أن ترى وجوهًا شبابية ثورية براقة يشن تأثير مختلف، أما عن الجيش فما كان بمستطيع أن ينقلب إلا بدعمٍ شعبيٍ صارخ؛ فدول العالم كلها تتربص للتدخل في أي دولة حدث فيها ما هو معارض لقوانين العالم، لتحتلها وتنهبها.

إذا سألني شخصٌ ما في يومٍ من الأيام عن سبب اضمحلال هذا الشعب ووقوعه؛ فسأقول هم صانعو ثورة يناير المجيدة في 30 يونيو، من اشتراكيين وليبراليين وعلمانيين، حتى إسلاميين، اختلافهم غير السلمي هو ما أوقع بدولتنا إلى غير نجاة في خانة الديكتاتورية العسكرية، كانوا جميعًا يعرفون لؤم العسكر، لكن الغباء السياسي قضى عليهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد