لم يكن فقيرًا كما زعمت الحكاية الشعبية. بالبحث والتمحيص تبين أنه كان مقتّرًا في البيت، مبذرًا على المقهى، مدّعيًا للفقر.

عاد إلى زوجته خالي اليدين، بعد أن حاسب على مشاريب الشلة كلها، فأخذ يصف كيف رأى عند الجزار ذبيحة بتلّو مفتخرة. أخذ الرجل يصف الذبيحة وصف قيس بن الملّوّح لليلى العامرية، حتى أسال لعاب زوجته وأطفاله الجائعين، ثم قال لها: والله من حلاوتها كان نفسي أشتري للعيال منها عشرة كيلو.

 

فقالت المرأة (معاتبة له ـ فيما يبدو ـ على إسرافه في الخيال): وليه عشرة كيلو يا أبو العيال؟! طيب خليهم حتى كيلو.

 

فثار الرجل وانهال ضربًا على المسكينة أمام “العيال” قائلًا: ليه كده؟ ليه؟ خلّي العيال ياكلوا.

***
يضيف الرواة أن الأطفال ـ خلافًا لعادتهم في كل خناقة بين أبويهم ـ لم يدفعوا عن أمهم هذه المرة ركلات أبيهم. لماذا يدافعون عن تلك المرأة التي تريد أن تحرمهم من “ميغة” العشرة كيلو لحمة؟

***

ما أكثر الأحلام “البمبي” التي يبيعونها للبسطاء في تصريحات تصدر عن أفواه تعاني من “إسهال عددي” يجعل من العشرة ألفًا، ومن الألف مليونًا، ومن اللاشيء شيئًا ذا قيمة.

هل تعلم يا عزيزي أن الحكومة وفرت مؤخرًا عشرة آلاف فرصة عمل في أسوان، و1319 فرصة عمل في الدقهلية، وأنشأت في المنيا 305 مصنع وفرت بها 30 ألف فرصة عمل، ووفرت (عن طريق القوى العاملة) 180 ألف فرصة عمل في الخارج، وأطلقت مبادرة لتوفير 50 ألف فرصة عمل وإنشاء ألف مصنع؟

هل تعلم يا عزيزي أن هذه “الميغة” هي ما استطعت حصره من نظرة سريعة في تصريحات الوزراء والمحافظين في الأسبوعين الفائتين فقط؟

هذا بالطبع فضلًا عن نجاح الحكومة في القضاء على الإيدز والإيبولا وفيروس سي، وتدمير بؤر الإرهاب في شمال ووسط سيناء، وتصفية عدد من التكفيريين يعادل ضعف عدد سكان سيناء، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز الأمن… إلخ.

خلي العيال ياكلوا.

***

يقول المتابعون للأحداث إن واقعة العشرة كيلو لحمة تكررت بكثرة فيما بعد ـ مع تغيير السلعة ـ دون أن يشتري الأب لعياله شيئًا إلا الكلام، ولكن بعض “العيال” ـ المعاتيه منهم تحديدًا ـ ظلوا يصدقون أباهم، ويستمتعون معه بأكاذيبه وفشره، ولحمته التي لن يشتريها أبدًا، ويتشاجرون مع من يقول لهم إن أباهم أكثر فشرًا من “أبو لمعة”، حتى بعد أن أنقص مصروفهم، ثم اقتطع منه، ثم أوشك على قطعه عنهم تمامًا.

***

قال الحكيم بيدبا للملك دبشليم:

زعموا أن الهدهد سأل يومًا أبا قردان: أنت بتفطر إيه كل يوم الصبح؟

فأجابه: بافطر سمنة بلدي وعسل.

فقال له: ما هو باين على رجليك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد