شهد يوم الأحد الموافق ٢٠١٩/١٢/٢٩م، تصعيدًا عسكريًّا بين الولايات المتحدة الأمريكية، و فصيل حزب الله العراقي المسلح (أحد فصائل الحشد الشعبي في العراق)، إذ قصفت القوات ألأمريكية مقرًّا تابعًا للفصيل المذكور، بعد اتهامه بالوقوف وراء قصف قاعدة K1 ألأمريكية في كركوك، وحوادث أخرى مشابهةٍ في الآونة الأخيرة. إن هذه الحادثة هي حلقة من حلقات صراع إقليمي-عالمي، أطرافه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في منطقة الشرق الأوسط من جانبٍ، ومحور المقاومة وفي مقدمته جمهورية ايران الإسلامية من جانبٍ آخر، وهذه الحادثة تُعَد سلاحًا ذا حدين بالنسبة لمستقبل العراق السياسي؛ فقد تكون فرصةً للحد من التدخلات الخارجية في شؤون البلاد، وقد تكون نذير شؤمٍ للعراق؛ بينما هو على أعتاب تغييراتٍ سياسية كبيرة، قد تُفضي إلى واقعٍ سياسي أكثر قبولًا من الشعب؛ برغم وعورة الطريق إلى ذلك الواقع.

يتزامن هذا التصعيد العسكري مع مشكلة سياسية تعيشها البلاد؛ إذ تبحث الكتلة الأكبر عن مرشحٍ لرئاسة الوزراء؛ يكون مقبولًا سياسيًّا وشعبيًّا؛ ليحل محل رئيس الوزراء الحالي المستقيل عادل عبد المهدي، و مما لا شك فيه أن قضية اختيار رئيس وزراءٍ في العراق، ابتعدت عن كونها شأن داخلي بحت منذ فترة من الزمن؛ إذ أصبحت خاضعةً لتدخل إراداتٍ خارجية بمستويات مختلفة، كما أن الساحة السياسية العراقية، تشهد انقسامًا حادًّا بين الأطراف جميعًا، وتسودها سياسة ليّ الأذرع،ولقد انعكس الصراع الإيراني-الأمريكي على قضية اختيار رئيس للوزراء في العراق، فلربما تكون هذه الضربات رسالةً إلى القوى السياسية للابتعاد عن ترشيح رئيس وزراءٍ عسكري، لا يحظى بقبول أمريكيّ، وقد يكون أكثر ميلًا نحو الجانب الإيراني، خاصةً وأن بعض القوى السياسية، طرحت اسم الفريق الركن عبد الغني الأسدي؛ كمرشحٍ محتملٍ، فقد تكون رسالةً أمريكية إلى تحالف البناء للابتعاد عن ترشيح شخصية عسكرية غير مقبولة من الجانب الأمريكي، وعدم المضي بسياسة ليّ الأذرع مع القوى السياسية المتقاربة من الولايات المتحدة.

إن تأثير الولايات المتحدة في العراق، قد انحسر مقارنةً بتأثير جمهورية إيران فيه، خاصةً خلال فترة حكومة عادل عبد المهدي؛ فعلى ما يبدو أن السياسيين الذين تحالفت معهم إيران، كانوا أكثر حنكةً ممن حاولت الولايات المتحدة الأمريكية التأثير من خلالهم، مما دعى الولايات المتحدة إلى تركيز جهودها على قوتها الإعلامية؛ خاصةً خلال الأيام الأخيرة التي شهدت تظاهراتٍ تطالب بالإصلاح في البلاد؛ لإعادة تمكين تأثيرها في العراق، فأصبح العراق مسرحًا للإعلام، والإعلام المضاد بين الجيوش الإلكترونية من الطرفين، إلا أن الوعي والإرادة الجماهيرية تمكنت إلى حد ما من إضعاف التدخلات الخارجية في ساحات التظاهر، الأمر الذي يعد فشلًا للجهود والمساعي الأمريكية؛ ونتيجةً لذلك قد تكون هذه الضربة بمثابة أولى خطوات الولايات المتحدة الأمريكية للانتقال نحو محاربة التأثير الإيراني عسكريًّا.

لكن الضربة امتدت لتشمل موقعين لحزب الله في الأراضي السورية مما يشير إلى أن الولايات المتحدة تجهز لهجماتٍ عسكريةٍ شاملةٍ، ضد محور المقاومة؛ وليس ضد الوجود الإيراني في العراق فحسب، ويمكن استشعار ذلك من بيان مساعد وزير الدفاع الامريكي جوناثان هوفمان الذي نص على أنه «لن يتم ردع الولايات المتحدة عن ممارسة حقها في الدفاع عن النفس»؛ بالرغم من احترامها للسيادة العراقية، فهل كان العراق يردع الولايات المتحدة قبل هذه الضربة؟ أم أن الولايات المتحدة تحذر العراق من أن يردع أمريكا في المستقبل؟ أم أن العراق بوضعه الحالي مؤهل لردع الولايات المتحدة؟ إن عبارة «الردع» موجهة إلى محور المقاومة ككل وليس إلى العراق، ومن المثير للسخرية؛ أن تحترم الولايات المتحدة سيادة العراق من جهة، ولكن للدفاع عن النفس أحكامه من جهة أخرى؛ فـعند الضرورات تُباح للولايات المتحدة المحظورات، ولكن الولايات المتحدة تريد أن تسري هذه القاعدة عليها، ولا تسري على غيرها.

لا يمكن تصور توجه الأمور نحو تصعيدٍ عسكري أكبر في العراق؛ إلا أن هذا الاعتداء يعد فرصةً يمكن من خلالها للقوى السياسية أن تحدَّ من التواجد العسكري الأمريكي فيه، أو تحد من صلاحياته؛ وبالتالي فإنها ستحاول استثمار هذه الفرصة، وهو السيناريو الأقرب للحدوث.

في خضم هذه الأجواء المحتقنة، يقف العراقيون أمام فرصة تاريخية لإصلاح فساد وسوء إدارة استشرى في البلاد، وطال أمده؛ إذ استطاعوا من خلال تظاهراتهم الضغط على البرلمان من أجل تشريع قانون انتخابات جديد، يضمن تمثيلًا أفضل للشعب من سابقه، وهم يقفون على بعد خطوات قليلة من تنصيب حكومة جديدة، تعمل على إجراء انتخابات مبكرة، قد تعيد ثقة المواطنين بالنظام السياسي، إلا أن هذه الأجواء المتوترة، قد تُفسح المجال أمام التدخلات الخارجية لتلعب دورًا؛ لذا يتوجب الحذر من هذه التدخلات الخارجية من قبل المتظاهرين والقوى السياسية على حدٍ سواء للمضي في الإصلاحات باستقلاليةٍ وحسٍّ وطنيّ.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد