تنص الاتفاقية للقانون الدولي الإنساني الصادرة في عام 1977م، بقولها: إنه «يعد الصحفيون الذين يعملون في مناطق النزاع المسلح هم مدنيون ويتمتعون بالحماية الكاملة الممنوحة للمدنيين بموجب القانون الدولي الصادر آنذاك»، إلى جانب التأكيد على التزام الدول بهذا القرار وفقًا لمادة 19 الصادرة عن المعهد الدولي الخاص بالحقوق الإنسانية والمدنية والسياسية، حيث أكدت اللجنة أن الصحافة هي: «وظيفة تتقاسمها مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة، بما في ذلك الصحفيون والمحللون المدنيون المتفرغون وغيرهم ممن ينخرطون في أشكال النشر الذاتي المطبوعة أو على شبكة الإنترنت أو أي مكان آخر».

حبرٌ على ورق

ولعل هذه الاتفاقيات الدولية المنصوصة التي تكفلتها الدول التي تنادي بحماية الحريات وإطلاق حرية الرأي والتعبير دون المساس بكرامة الصحفيين وانتهاك خصوصياتهم، مجرد حبر على ورق لا جدوى منه بالرجوع إليه في الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيين في دول العالم كافة وفلسطين على وجه الخصوص، نتيجة الصراع الدائم مع الاحتلال الإسرائيلي في أرض فلسطين، وسعي هؤلاء الصحفيين إلى نقل الرواية الحقيقة غير المضللة والمزيفة إلى شعوب العالم المتحضر بالظلم الذي يقع على الشعب الفلسطيني صاحب القضية العادلة والمظلومة، إلى جانب الحديث عن الانتهاكات مع الأسف من أبناء جلدتنا تحاك ضد الصحفيين أثناء القيام بعملهم في الميدان أو الاعتقالات المستمرة والاستدعاءات والتنكيل والتعذيب والضرب، ظنًا منهم أن ذلك يمنعهم من ثني الصحفي عن دوره في نقل الرواية الصادقة دون التحيز عبر وسائل الإعلام المختلفة.

لكن الصحافة الفلسطينية أصبحت تمر في منعطفاتٍ خطيرة وحادة لإسكاتها وصمتها من القريب قبل البعيد، فالحروب الشاهدة على قطاع غزة كانت خير عون لأهمية دور الإعلام الفلسطيني في نقل الرسالة الحقيقية بصور الشهداء والجرحى والدمار الكامل الذي خلفه الاحتلال بحق منازل المواطنين الفلسطينيين وغيرها من المشاهد التي تؤلم الحجر قبل البشر كانت حاضرة في نقل من قبل الصحفيين الذين ضحوا بحياتهم من أجل نقل قضية شعبهم إلى شعوب العالم، لذلك كان الاحتلال الإسرائيلي غاضبًا من تلك المشاهد التي تنقل من قلب قطاع غزة أثناء الحروب، مما جعل الاستهداف المباشر بحق الصحفيين حاضراً فارتقى نحو 23 شهيدًا صحفيًا خلال الحروب الذي شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، ناهيك عن الاستهداف المقرات والمؤسسات والمراكز الإعلامية في قطاع غزة.

الانتهاكات والإحصائيات

وذكرت التقارير الإعلامية الحقوقية الصادرة عن مركز مدى للحريات الإعلامية في محافظة رام الله بالضفة الغربية المحتلة، عن رصدها أن الاحتلال الإسرائيلي قتل 39 صحفيًا فلسطينيا في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ انتفاضة الأقصى عام 2000م، منهم ثلاثة صحفيين أجانب آخرهم الصحفي الإيطالي سيمونا كاميلي.

ومع ذلك كله لم يتوقف الاحتلال الإسرائيلي بجرائمه البشعة في استهداف الصحفيين الفلسطينيين لثنيهم عن نقل الرواية الحقيقية بعدساتهم إلى مرآة العالم ليشاهد ما يتعرض له الشعب الفلسطيني المظلوم من قبل الكيان الصهيوني، ففي مسيرات العودة السلمية الكبرى على الحدود الشرقية لمحافظات قطاع غزة، كان المشهد أكثر قساوةً وحزنًا في الثلاثين من شهر مارس (أذار) عام 2018م في ذكرى يوم الأرض الفلسطينية، ارتقى الشهيدان الصحفيان ياسر مرتجى وأحمد أبو حسين أثناء تغطيتهم بعدساتهم الصحفية في الميدان للجرائم التي يرتكبها جنود الاحتلال الإسرائيلي بحق المتظاهرين الفلسطينيين السلميين قرب السياج الحدودي الفاصل شرق غزة.

فحياة الصحفي الفلسطيني أصبحت في المنزلق الخطير نتيجة تهميش الاحتلال الإسرائيلي كل الاتفاقيات والنصوص الدولية التي تنادي بحماية الصحفيين وعدم الاعتراف بها وإلقائها في سلة المهملات، لكن ما يؤسفنا حقًا هو الانتهاك الآخر بحق الصحفيين الفلسطينيين من قبل الحكومات الفلسطينية المتعاقبة منذ قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994م، وإلى يومنا هذا والصحفيون لا يوحدهم نقابة واحدة فعالة في الميدان تحميهم من هذه الانتهاكات وتكتفي فقط بالشجب والاستنكار دون الملاحقة والمسألة للسلطات الحاكمة التي تدير شؤون وحياة الشعب الفلسطيني في ظل خضوعها تحت الاحتلال الإسرائيلي.

وقد سجل التقرير السنوي لعام 2019م الصادرة عن لجنة دعم الصحفيين 598 انتهاكًا بحق الصحفيين الفلسطينيين من قبل الاحتلال الإسرائيلي، فيما بلغت 207 انتهاكًا من قبل جهات الفلسطينية، وتشمل: «جرائم انتهاك الحق في الحياة والسلامة الشخصية للصحفيين، وتعرض صحفيين للضرب وغيره من وسائل العنف أو الإهانة والمعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية».

أما في إطار محاربة المحتوى الفلسطيني من قبل إدارة مواقع التواصل الاجتماعي، فقد سجل تقرير لجنة دعم الصحفيين السنوي لعام 2019م، عشرات الحالات من ضمنها إغلاق حسابات عشرات المواقع الإخبارية والإعلامية وحسابات الإعلاميين العاملين في تلك المواقع والتي تنوعت ما بين حذف الصفحات والحسابات والحظر ومنع النشر وحذف المنشورات ومنع التعليق وتقييد الوصول للصفحات ومنع البث المباشر وحذف منشورات قديمة تعود إلى سنوات، بالإضافة إلى حظر شركة «واتساب» التابعة «لفيسبوك» مئات الحسابات للصحفيين الفلسطينيين، الذين يتابعون الأحداث، وينشرون أخبار العدوان من قبل الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، حيث وصلتهم رسائل من إدارة واتساب تفيد بحظرهم من النشر أو الاستفادة من خدمات التطبيق.

وبالعودة إلى انتهاكات السلطة الفلسطينية في رام الله والحكومة في قطاع غزة، فقد بين التقرير السنوي لعام 2019م، أن 2017 انتهاك بحق الصحفيين الفلسطينيين موزعين بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث رصدت 152 انتهاكا في الضفة المحتلة، و55 في قطاع غزة، تمثل في اعتقال واستدعاء واحتجاز 55 من الصحفيين، وتمديد اعتقال 32 حالة، واعتداء وإصابة بلغت 8 حالات، فيما سجلت عدد 37 اقتحامًا ومصادرة معدات وتهديدًا وتحريضًا، وحالتين منع من التغطية وعرقلة عمل ومنع من السفر، وغغلاق مؤسسات وحجب مواقع وتجميد أرصدة ومضايقات بلغت عدد 60 صحفي، فيما بلغ 12 من الانتهاكات بحق الصحفيين داخل اعتقالهم السياسي داخل سجون السلطة الفلسطينية في رام الله والحكومة في قطاع غزة.

الفصل التعسفي

وكان مؤخرًا خلال العام الجاري، قضية الفصل التعسفي بحق الصحفي الفلسطيني المصور إياد حمد والذي يعمل في وكالة أسوشيتد برس الأمريكية منذ 20 عامًا من خلال اتصال هاتفي تم إبلاغ الصحفي فيه من مدير مكتب الوكالة الأمريكية في مدينة القدس المحتلة، نتيجة قيام الشرطة الفلسطينية برفع شكاوى ضد الصحفي حمد لدى وكالته التي يعمل بها، إلى جانب إنذار الصحفي بعدم الوقوف إلى جانب زملائه الصحفيين الفلسطينيين في الدفاع عنهم وإقامه الفعاليات للوقوف بجانبهم كان الثمن في فقدان عمله، إلى جانب الانتهاك بحق الصحفي الشاب يوسف حسان الذي يمارس العمل الصحفي بشكل حر، واعتقاله من قبل فصيل فلسطيني لا يمتلك الصفة القانونية التي تعطي له الحق في اعتقال صحفي واستدعائه أكثر من مرة، وتلفيق الاهتمامات غير الواضحة والمبهمة بحقه دون دلائل وشهود على ذلك، نتيجة قيامه بنشر فيديو يتناول قضية من قضايا الفساد داخل المجتمع الفلسطيني، مع إبهامه أسماء الفاسدين في تحقيقه الذي يحتاج إلى بعض الأمور المهنية للتعديل عليه، كان أوضح ذلك المختصين في مجال الصحافة الاستقصائية، لكنه نجح في ذلك، فمصير الصحفي أصبح إلى الآن مهددًا بالخطر فكل يوم يتم تبادل التهم ضده عبر وسائل الإعلام المختلفة، في ظل الصمت من قبل الجهات المعنية المسؤولة في قطاع غزة والمؤسسات الحقوقية والنقابية الفاعلة للحد من هذا الموضوع وإيقافه عند حده لمعالجته في إطار القانون، لأنه أصبح قضية رأي عام داخل المجتمع الفلسطيني والفاسد يجول ويسود دون مسألة قانونية بحماية فصيله.

وأخيرًا نأمل أن يكون قد وفقت في سردي هذا شيئًا بسيطًا على الانتهاكات التي تحاك ضد الصحفي الفلسطيني الذي يعيش مرارة القسوة والظلم والانتهاك من قبل الحكومات الفلسطينية المتعاقبة من زاوية، ومن بطش وظلم الاحتلال الإسرائيلي من زاوية ثانية، دون النظر إلى الاتفاقيات الدولية التي تكلف حماية الصحفيين الفلسطينيين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد