تبدأ تكوين الشخصية وتشكيلها لأي شخص منذ ولادته مرورًا بمراحلها المختلفة، وفي الطفولة تتشكل الشخصية والبناء الفكري والانفعالي والنفسي والسلوكي للأفراد لذلك تحتاج هذه المرحلة اهتمام خاص من الأسرة والتي تعتبر اللبنة الأولى في بناء الطفل.

وعلى قدر الاهتمام والرعاية التي تقدمها الأسرة (سواء الأبوين، أو أحد مقدمي الرعاية) في محيطها لأبنائها ومقابل ما تغرس في أبنائها تحصد إما أشخاصًا أسوياء البنية، أسوياء البناء الفكري والسلوكي والاجتماعي، أو العكس.

وهناك بعض المفاهيم الخاطئة لتربية الأبناء والتي يلجأ فيها الأبوان أحدهما، أو كلاهما للعنف ضد الأبناء، وهو ما يسمى بالعنف الأسري.

والمقصود بالعنف الأسري هو كل سلوك من الأبوين، أو أحد القائمين على الرعايه ينتهك أو يهدد أمن الطفل واستقراره النفسي والجسدي. والعنف النفسي يتضمن تقييد تحركات الطفل والتوبيخ والسخرية والتهديد والترهيب، والتمييز والنبذ والإهمال مثل عدم تلبية احتياجات الطفل الجسدية والنفسية وعدم حمايته من الخطر وحرمانه من الإحساس بالأمان وغير ذلك، والعنف الجسدي قد يتضمن الإيذاء الجنسي.

وينتج العنف الأسري عن سوء التربية والنشأة في بيئة مليئة بالعنف في المعاملة، فمن كان ضحية للعنف الأسري في الصغر غالبًا ما يمارسون العنف على أسرهم مستقبلًا؛ وذلك لأن العنف سلوك مكتسب.

أما عن أسباب العنف الأسري فهي متعددة ومختلفة:

قد تكون نتيجة تعاطي الزوج المخدرات، أو لاضطراب العلاقة بين الزوجين، أو ناتج عن الأمراض النفسية لأحد الأبوين أو مقدمي الرعاية، حيث أثبتت الدراسات أن هناك ارتفاعًا في حالات الأمراض النفسية بين ممارسي ومرتكبي العنف الأسري، أو لانخفاض الدخل أو الفقر.

وهناك العديد من أشكال العنف التي تمارس ضد الأطفال بخلاف العنف الأسري والتي تحدث في مراحل مختلفة من نمو الطفل فقد يحدث العنف بدني وجنسي ونفسي، وسوء المعاملة من أحد مقدمي الرعاية من أشخاص أصحاب سُلطة على الأطفال والمراهقين في أماكن أخرى غير المنزل مثل المدارس ودور الأيتام.

أيضًا التسلُّط أو التنمر (بما في ذلك التنمر الإلكتروني) وهو سلوك عدواني غير مرغوب فيه من جانب طفل آخر أو مجموعة أطفال وينطوي على إيذاء جسدي أو نفسي أو اجتماعي متكرر، ويحدث غالبًا في المدارس أوالنوادي أو أماكن يجتمع فيها الأطفال.

عنف الشباب في أوساط الأطفال والمراهقين في المرحلة العمرية من 10إلى 29 عامًا، ويحدث غالبًا في السياقات المجتمعية بين المعارف والغرباء، ويشمل التسلُّط أو التنمر والاعتداء الجسدي وقد يصل لاستخدام أسلحة وقد ينطوي على عنف جماعي وتعتبر نتائج هذا العنف من بين أعلى ثلاثة أسباب للوفاة لدى المراهقين في العالم.

العنف الجسدي الجنسي بغير الرضا والأفعال ذات الطابع الجنسي، مثل التلصص، أو التحرش، وأعمال الإتجار، والاستغلال الجنسي التي تُرتكب ضد شخص عاجز عن إظهار الموافقة أو الرفض.

وفقًا للإحصاءات:

في يناير (كانون الثاني) 2020 صرحت منظمة الصحة العالمية أن ما لا يقل عن 55 مليون طفل في أوروبا يعانون سنويًا من شكل من أشكال العنف الجسدي، والجنسي، والنفسي!

ويقدر مكتب المنظمة الإقليمي في أوروبا أنه من بين 204 ملايين طفل دون سن 18 في أوروبا، فإن 9.6% يتعرضون للاستغلال الجنسي، و22.9% للعنف الجسدي و29.1% للضرر العاطفي. وبالإضافه إلى ذلك فإن هناك 700 طفل يُقتلون كل عام!

وطبقًا لما صدر عن اليونيسيف يعتبر الملايين من التلاميذ في شتى أنحاء العالم بيئة المدرسة مكانا غير آمن للدراسة والنمو ، ويعاني نصف المراهقين في العالم من عنف الأقران في المدرسة أو في محيطها.

يتعرض للتنمّر ما يزيد على حوال تلميذ واحد من كل ثلاثة تلاميذ، وواحد من بين كل ثلاثة طلاب تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عامًا يشاركون في شجارات بدنية، 75٪ من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين اثنتين وأربع سنوات يتعرضون إلى التأديب العنيف على أيدي مُقدِّمي الرعاية لهم

أما عن النتائج والآثار السيئة والسلبية التي يتسبب فيها العنف الذي يتعرض له الأطفال بمختلف أنواعه فهي متعدده، ومنها:

فقدان الطفل الثقة بالنفس وبالتالي والشعور بالخوف والتردد في القيام بأي عمل حيث ينعكس الإيذاء والعنف الذي يتعرض له الطفل داخل المنزل على سلوكياته وتصرفاته خارج المنزل، وخصوصًا في المدرسة أوالشارع. ويؤدي أيضًا لجلد الذات واضطرابات النوم وكراهية الغير والانسحاب الإجتماعي.

يستخدم الأطفال العنف كأّول حل لأي مشكلة تواجههم في حياتهم وتتزايد نوبات الغضب والميول العدوانية. ويؤدي إلى زيادة شعور الطفل بالإحباط، وضعف شخصيته، وبالتالي يؤثر سلبًا في إنجازاته وحياته المستقبلية وجميع مناحي الحياة.

قد يصنع العنف شخصية المتمرده فنجد رفضه الغير المبرر لأي قرار أو رأي دون إبداء الأسباب أوالحلول البديلة، كما تنشأ العدوانية والعنف لدى أبناء الأسرة التي يسودها العنف ويصنع مستقبلًا أجيال تتوارث الأمراض النفسية.

الانطواء ينتج عنه أيضًا التفكك الأسري وسوء واضطراب في تكوين العلاقات مع الآخرين وهروب وتسرب الأبناء من المدارس. أيضًا عدم التمكن من التحصيل الدراسي تكون تنشئتهم تنشئة غير متوازنة اجتماعيًا.
أظهرت جميع الأبحاث على أن الضرب والعنف له نتائج سلبية على الأطفال. فالضرب والعنف يزيد من احتمالية حدوث المشاكل العقلية والنفسية، والسلوك الإجرامي، وتعرض الطفل للانتهاك الجسدي من قبل الآخرين في المستقبل، والآثار السلبية على نمو دماغ الطفل، وتدني احتـرام الذات والثقة بالنفس.

وقد يؤدي أيضًا للإصابة بإعاقة أو بمشاكل صحية نفسية ولظهور المثليات والمثليين، أومزدوجي الميـل الجنسي، أو اللجوء لتناول الكحول والمخدرات على نحو يضر بالصحة. ولانعدام الأواصر العاطفية بين الأطفال، والأبوين، أومقدمي الرعاية الارتباط بأقران جانحين.

تعرض الطفل على المدى الطويل لأمراض عضوية خطيرة، وتعرضه للإصابة بأمراض القلب، والأوعية الدموية، والسرطان، والداء السكري، والضغط، والسمنة، وجلطات المخ، وغيرها من الأوضاع الصحية الخطيرة.

ويمكن التصدي لحالات العنف الأسري ضد الأطفال من خلال الحلول التالية:

تطبيق أساليب التربية الإيجابية والتي تركز على بناء علاقة صحية قوية بين الوالدين أو مقدمي الرعاية والطفل.

نشر أضرار ومخاطر العنف الموجه تجاه الأطفال وأشكاله وأنواعه وتوعية الأسرة من خلال وسائل الإعلام والمؤسسات، سواء التعليمية أو الدينية.

نص وتشريع القوانين والأحكام الخاصة بالأطفال المتعرضين للعنف بأشكاله وضمان حقوقهم.

المتابعة المستمرة للأطفال الذين تعرضوا للعنف، وتقديم الدعم النفسي من خلال برامج الإرشاد النفسي في المؤسسات التعليمية، خلال جميع المراحل.

تنظيم دورات التأهيلية للأسرة وأولياء الأمور لشرح مخاطر ممارسة العنف تجاه الأطفال.

منع والتصدي لظاهرة العمل للأطفال دون سن العمل القانوني واستغلالهم من قبل جميع المؤسسات والأهالي وأصحاب العمل.

تقديم الدعم والمساندة الإجتماعية بكافة أشكالها تجاه الأطفال المعرضين للاعتداء والعنف الجنسي، نظرًا لشدة تأثير الأضرار التي تصيب نفسية الطفل واتجاهاته ومستقبله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد