عقب إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 1991 في الجزائر والتي حققت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزا كاسحًا اندلعت الحرب الأهلية الجزائرية أو ما يعرف باسم «العشرية السوداء في الجزائر» في صراع خلّف أكثر من مائة وعشرين ألف قتيل. موجة العنف في التسعينيات لم تقف عند حدود الجزائر ولكن انتشرت في بقاع مختلفة من العالم مرورًا بمصر واليمن والأردن وليبيا، وخارج الشرق الأوسط في الصين وكشمير والفلبين. المتأمل في هذا المشهد سيجد نفسه مضطرًا للسؤال: لماذا تلجأ الحركات الاجتماعية والسياسية إلى اعتناق العنف وليس أي بديل تكتيكي آخر؟

حينما يتعلق الأمر بالمحاولات الأكاديمية الأولية لتفسير العنف في الحركات الإسلامية هناك إطاران نظريان أساسيان لمحاولة تفسيره، الإطار الفكري (العقائدي) والإطار النفسي. الإطار الأول يفترض بأن العنف هو جزء من العقيدة ونظام القيم الأساسية في الإسلام ومُؤصل في أدوات الإسلام الرئيسية (القرآن والسنة) وبالتالي يمكن إعادة إحيائه وتوظيفه حسب الظروف المحيطة. الثاني، يعلي من قيمة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي شكلت شخصيات الداعيين والمنضمين إلى حركات العنف ويعتمد بشكل كبير على التهميش الاقتصادي والتفسخ الاجتماعي باعتباره مفسرًا أساسيًا لعملية التطرف. هذه الإطارات الحديّة لم يكن لها قدرة تفسيرية عالية في تفسير لجوء بعض الحركات الإسلامية دون غيرها للعنف، وفي تفسير لماذا يتشارك المعتدلون والمتطرفون -في بعض الأوقات- نفس القدر من التعليم والمستوى الاجتماعي.

يرى حافظ وفيكتوروفيتش أنه فقط من خلال فهم العوامل الخارجية يمكننا أن نكون أفقًا نظريًا أوسع يملك قدرة تفسيرية أعلى، وفي بحثهما تعد طبيعة قمع الدولة وإتاحة المجال السياسي المؤسسي أهم عاملين يسهمان في تحول الحركات إلى العنف.

إتاحة المجال السياسي المؤسسي

المقصود بالمجال السياسي المؤسسي هو الأحزاب السياسية، والبرلمان والمؤسسات الصانعة والمنفذة للقرار السياسي. تستطيع المجموعات المختلفة استخدام هذه الأدوات فقط حينما تسمح لها الدولة بذلك، وتعد غير متاحة حينما تحرم الدول فصائل معينة من القدرة على التأثير في عملية صناعة القرار. في هذا السياق يرى جودوين، أن الأنظمة الإقصائية تقوم باحتضان وتسريع العمل الجماعي الأصولي حينما يتم حرمان قطاعات واسعة من الشعب من المشاركة في العملية السياسية كما هو الحال في الثورة في إيران ونيكارجوا مثلًا. إجمالًا، النظم التي تسمح باستخدام الأدوات السياسية والمجال العام بحرية، تتمتع بقدر أقل من العنف مقارنة بمثيلاتها الإقصائية. غير أن غلق المجال السياسي العام وحده ليس كافيًا لتفسير العنف الواسع والمستمر.

طبيعة قمع الدولة

في حين يرى «تيلي» على سبيل المثال أنه كلما زاد عنف الدولة، ارتفعت كلفة العمل الجماعي وبالتالي يصبح الحشد وكذلك العنف أكثر كلفة وأكثر خطورة، يرى «وايت» أنه كلما زاد عنف الدولة، زادت المظالم وبالتالي احتمالية الانخراط في العنف نتيجة مباشرة. على الجانب الآخر، يرفض حافظ وفيكتوروفيتش الرأيين ويشكلان نموذجًا مركبًا يعتمد على عاملين أساسيين : توقيت، وهدف القمع واللذان يشكلان أهم مرتكزات وحسابات الفصائل المتحولة للعنف. إذا بدأنا أولًا بتوقيت القمع فيمكن أن يكون القمع إما استباقيًا أو تفاعليًا. يكون القمع استباقيًا حينما يستهدف الفصيل قبل أن يكون له القدرة على التنظيم والتعبئة، ويكون تفاعليًا حينما يكون الفصيل قد اكتسب القدرة على التنظيم والتعبئة بالفعل والمقصود بذلك أنه تسنى له ترتيب موارده، واستقراره على الأرض، وتقوية الروابط بين أعضائه. أما فيما يتعلق بهدف القمع، فيمكن أن يكون القمع انتقائيًا selective أو غير مميز indiscriminate. في الحالة الأولى يرتكز القمع على القيادات والصفوف الأولى والأعضاء النشطين، بينما في الحالة الثانية، يستهدف كل الأعضاء بغض النظر عن نشاطهم بل ويمتد حتى للمتعاطفين. بدمج هذين العاملين معًا يصل فيكتوروفيتش وحافظ لمعادلة: القمع الانتقائي الاستباقي -على الأرجح- لا يؤدي للعنف، بينما يؤدي القمع غير المميز والتفاعلي -على الأرجح- إلى العنف.

 القمع الانتقائي الاستباقي -على الأرجح- لا يؤدي للعنف، بينما يؤدي القمع غير المميز والتفاعلي -على الأرجح- إلى العنف.

إذا نظرنا من خلال عدسة التوقيت، فإن القمع الاستباقي لا يؤدي عادة إلى العنف لعدة أسباب. أولًا القمع الاستباقي يحرم الفصيل المعتدى عليه من الوقت والمساحة اللازمتين للحشد والتنظيم. ثانيًا، العنف يتطلب درجة من الترابط بين الأعضاء، وبمنع الترابط والألفة تكون فرصة العنف في الحدوث أقل. على الجانب الآخر، القمع التفاعلي يؤدي عادةً إلى العنف لأنه يضمن الوقت والمساحة اللازمتين للحشد والتنظيم ويزيد من فرصة حدوث الترابط بين الأعضاء مما يزيد من احتمالية العنف.

أما إذا نظرنا من خلال عدسة الهدف، فإن القمع الانتقائي على الأرجح لا يؤدي إلى إنتاج العنف لأنه أولًا من ناحية يعطي إشارة ضمنية لبقية أعضاء الفصيل أن العقاب موجه فقط لصانعي المشاكل، وثانيًا يقلل من تصاعد الغضب الأخلاقي الناتج عن تحولهم إلى شهداء. وبالمثل، القمع غير المميز على الأرجح يؤدي إلى العنف لأنه يزيد الغضب الأخلاقي لأقصى درجة ممكنة إلى الحد الذي يحد من شرعية الدولة نفسها، والذي بدوره يمكن أن يؤدي إلى دفع أعضاء الفصيل السلميين إلى طلب الحماية من جماعات أخرى مسلحة ويتحولوا إلى العنف خلال هذه العملية (الإرهاب اليساري في إيطاليا في السبعينيات نموذجًا). ولعل أبرز دراسة حالة قدمها حافظ وفيكتوروفيتش هي حالة الجماعة الإسلامية في مصر في التسعينيات والتي يمكن تفسير تحولها -الشامل- للعنف من خلال نموذج العنف غير المميز والتفاعلي.

الجماعة الإسلامية في مصر

سياسة الدولة تجاه الحركات الإسلامية في الثمانينيات عمومًا كانت يمكن وصفها كما مايسميها هشام مبارك بـ«التسامح القمعي»، والتي هدفت إلى احتواء الإسلاميين المسلحين في الصعيد بالسماح ببعض أنشطتهم المؤسسية من ناحية وقمع السلوك الصدامي من ناحية أخرى. يتمثل هذا مثلًا في أن الجماعة كانت تعقد اجتماعاتها – حتى ذات الطبيعة السياسية منها- بشكل دوري في المساجد وكانت هي الفصيل الوحيد الذي يمكنه عقد المؤتمرات الشعبية دون الحصول على تصريح أمني كما ينص القانون. مكن هذا الجماعة من تسمية بعض المناطق بـ«المناطق المحررة» في صعيد مصر ثم اتجهت الجماعة إلى التوسع في مناطق القاهرة الطرفية: عين شمس، الزاوية الحمراء، إمبابة، وبولاق، كل هذا دون أي قمع حقيقي من الدولة. تغير هذا باغتيال المتحدث الرسمي للجماعة علاء محيي الدين، فردت الجماعة باغتيال رفعت المحجوب بعد ثلاثة أشهر، وكانت هذه هي اللحظة الذي تحولت فيها الدولة إلى قمع تفاعلي غير مميز.

يرى حافظ وفيكتوروفيتش أن التحول إلى العنف في الحركة الإسلامية المصرية بشكل متزايد في التسعينيات يرجع إلى ثلاثة تطورات تتعلق بهيكل الفرص السياسية. أولاً تراجع الإصلاح السياسي بعد بعض التقدم الملموس -وإن كان محدودًا- في الثمانينيات أدى إلى تأسيس إطار من عدم الشرعية مبني على منع إتاحة المجال السياسي المؤسسي. ثانيًا، الطابع التفاعلي لقمع الدولة ضد الجماعة الإسلامية في صعيد مصر يعني بالضرورة أن الجماعة كانت لديها الفرصة للتنظيم والحشد وهذا يعني أيضًا أن لديهم مكاسب تنظيمية ومجتمعية تستحق الحماية. وأخيرًا، أعطى القمع غير التمييزي أسبابًا إضافية للعنف لأن السلمية لا تشكل ضمانًا بتوقف الدولة عن القمع.

لا يرى حافظ وفيكتوروفيتش أن الجماعة الإسلامية في طبيعتها ولدت عنيفة نتيجة أسباب فكريّة عقائدية، بل إن الانخراط في العنف كان اختيارًا تكتيكيًا اتخذته الجماعة بشكل تفاعلي كردة فعل لسياسات الدولة ضد الجماعة والتي هددت المكاسب التنظيمية والاجتماعية للحركة، وكردة فعل يائسة تجاه مستقبل غير مضمون جراء القمع العشوائي غير التمييزي. الدليل الإحصائي الذي يقدمانه هو أنه مابين ١٩٧٠ وحتى ١٩٨٩ وصل عدد الوفيات جراء العنف لـ١٢٠ بينما وصل نفس العدد إلى أكثر من ١٤٠٠ حالة وفاة في خمس سنوات فقط بين ١٩٩٢ و ١٩٩٧ بالإضافة لأكثر من ١٧٠٠ إصابة.

ختامًا، تعد محاولة حافظ وفيكتورفيتش لتفسير العنف في الحركات الإسلامية وفق نموذج تحليلي مركب يرتكز على أكثر من عامل متشابك من المحاولات الجيدة التي تجاوزت الأطر النظرية البسيطة السابقة وركزت على العوامل الخارجية والسياق التفاعلي للحركات الاجتماعية من خلال النظر للعنف باعتباره خيارًا تكتيكيًا تلجأ إليه الحركات وفق حسابات براجماتية وليس بالضرورة مكونًا عقديًا ثابتًا لا يتغير. ولكن السؤال الذي لا يمكن تجاهله، هل يمكن حقًا تجاهل المكون العقدي المشترك بين معظم الحركات الإسلامية المتبنية للعنف والنظر فقط لنموذج تفسيري براجماتي يعتمد على الفعل ورد الفعل؟ وختامًا هل لدى هذه النماذج التفسيرية القدرة على تجاوز محاولة تفسير الماضي واكتسابها أي قدرة تنبؤية في المستقبل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد