أولًا العنف

يُعرف العنف على أنه إحدى الظواهر المجتمعيّة المنتشرة في غالبيّة مناطق العالم، ولا تقتصر على فئةٍ عمريّةٍ معينة، وهو عبارةٌ عن قوةٍ جسديةٍ أو لفظيةٍ أو حركيةٍ تصدر من طرفٍ ما تجاه طرفٍ آخر.

أورد مارسيل غوشية في كتابه (أصل العنف والدولة) أن العنف السياسي المسمى بالإرهاب كان يقع في الماضي نتيجة ثقافات متشددة وعقيمة، ولكنه يقع اليوم لغياب البنية والثقافة، إن العنف أو الإرهاب يتفجر في جميع أنحاء العالم نتيجة الفوضى الاجتماعية. كما أن المؤلف صنف هذا العنف إلى ثمانية أصناف. سنذكر في هذا المقال البعض هذه الأصناف.

الصنف الأول: العنف ضد الأفراد كالسلب والنهب والاعتداء والاغتصاب والقتل. هذا النوع من العنف متواجد في سوريا والعراق. أما ثقافة السلب والنهب فمتواجدة في اليمن وقد ساعدت جماعة الحوثي على انتشار هذه الظاهرة بشكل مخيف.

الصنف الثاني: هو العنف ضد المؤسسات (الفساد) أصبح الناس كالضواري المتسلقة على جدران مؤسسات الدولة لاختراقها ثم الانسحاب بالغنيمة منها. وهذا العنف موجود في مؤسسات الدول العربية دون استثناء.

الصنف الثالث: العنف الأهلي (العنف الطبقي والحروب الأهلية). تعاني أغلب مجتمعات الوطن العربي من هذا الصنف خاصة في اليمن، سوريا، العراق ولبنان والبحرين وبعض الدول الأخرى. والسؤال الذي يطرح نفسه وبقوة هنا: لماذا ينتشر العنف الطبقي والإرهاب في المجتمع العربي بصورة مخيفة ومحزنة ومؤلمة؟ للإجابة على هذا السؤال نحتاج لعدة أبحاث ودراسات كي نفهم سيكولوجيا الإنسان العربي المقهور، ولماذا لجأ إلى العنف. هل لأنه لم يعد هناك وسيلة أخرى لحل مشاكله؟

في الحقيقة لا يوجد في البلدان العربية أنظمة ديمقراطية، وإنما يوجد أنظمة حكم ذات طابع استبدادي (ديكتاتورية – ثيوقراطية – حكم الفرد المطلق). يحكم هذه البلدان شلة تقليدية قليلة. لا تخدم هذه الشلة المواطن العربي، بل تخدم المستعمر الغربي. هذه الطبقات التقليدية التي تمسك بزمام الأمور في المنطقة العربية متحالفة مع الاستعمار القديم والحديث ؛مما أوصل الدول العربية إلى أن تكون في مصاف الدول المتخلفة، وينتشر فيها العنف والحروب الطائفية والأهلية والصراع الطبقي بشكل مخيف ومحزن. ولذلك فالعنف الطبقي هو الكارثة التي تهدد المجتمعات العربية؛ لأن هناك طبقات تقليدية تدعي حقها الإلهي في الحكم والسلطة. تريد هذه الطبقات أن تحكم الشعوب العربية بقوة الحديد والنار مستخدمة الترهيب والقمع، وأيضًا الدين؛ لتبرير جرائمها في حق الشعوب العربية المقهورة.

وهناك عدة أسباب أخرى أدت إلى انتشار العنف بشكل عام في المجتمعات العربية، من هذه الأسباب، الجهل، الفقر، البطالة، التعصب المذهبي والقبلي والديني والطبقي والسلالي وغير ذلك. كما أن ممارسة القمع من قِبل أنظمة الحكم في الوطن العربي ضد المواطنين ساعد بشكل كبير في ظهور تيارات وجماعات العنف المسلحة. القهر والاعتقال يولدان العنف. لا بد أن نعرف أنه لا ينتشر العنف بصورة مخيفة ومفجعة، إلا في المجتمعات التي يحكمها طبقة طائفية أو عنصرية تقليدية، لأن هذه العصابات الطائفية والعنصرية تحاول دائمًا جعل المجتمعات التي تحكمها متخلفة؛ كي تستطيع الاستمرار في سدة الحكم. لذلك افلعنف هو آفة المجتمعات المتخلفة كما يؤكد ذلك الأستاذ مصطفى حجازي في كتابه (التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجيا الإنسان المقهور).

ولعلاج ظاهرة العنف، ينبغي على الأنظمة العربية فتح المجال للشعوب العربية كي تعبر عن صوتها وتختار من يمثلها في سدة الحكم، هذا في المجال السياسي. أما في المجال الاجتماعي والأسري، فينبغي تكثيف برامج التوعية التي تدعو إلى التسامح ونبذ العنف والتطرف والغلو. كما ينبغي نشر ثقافة الاعتراف بالآخر ومحاربة العنصرية والطبقية والسلالية من خلال البرامج التعليمية في المدارس والجامعات وعبر المنابر الإعلامية والمساجد ودور التحفيظ وما شابه ذلك.

ثانيًا التخلف

يعرف مصطفى حجازي التخلف على أنه: ظاهرة كلية ذات جوانب متعددة، تتفاعل فيما بينها بشكل جدلي، تتبادل التحديد والتعزيز، مما يعطي الظاهرة قوة وتماسكًا كبيرين، ويمدهما بصلابة ذات خطر كبير في مقاومة عمليات التغيير.

تعاني المجتمعات العربية اليوم من التخلف الإجتماعي والصناعي والعلمي والثقافي والفكري والأخطر من ذلك هو التخلف النفسي، والذي هو أسلوب في الحياة، فالحركات التقليدية ساعدت في انتشار ظاهرة الخرافات والخزعبلات والفتاوى الدينية غير الموفقة التي تحد من تفكير الإنسان العربي. لذلك، بقي الإنسان العربي حبيسا لأفكار لا تمت إلى الواقع بصلة؛ مما جعله متخلف نفسيًا وفكريًا.

أسباب التخلف

أولًا: -غياب التخطيط الاستراتيجي في الدول العربية والاعتماد على استيراد الحاجات الأساسية من الخارج.

ثانيًا: انتشار ظاهرة الأمية في المجتمعات العربية خاصة في مناطق الصراع.

ثالثًا: عدم تشجيع البحث العلمي، وفتح مراكز أبحاث في شتى مجالات العلوم المختلفة. كذلك لا ننسى أن الدول العربية لا زالت متأثرة بثقافة المستعمر الغربي؛ مما جعل هذه الدول متخلفة ثقافيًا. كما أن المستعمر الغربي لا زال يسيطر على الوضع الاقتصادي في البلدان العربية، وهناك أسباب أخرى كثيرة، ليس المجال لذكرها الآن.

وهكذا، يتضح وبما لا يدع مجالا للشك أنه لا يوجد في الوطن العربي لغة الحوار والتفاهم واحترام الرأي والرأي الآخر، بل يمكن القول إنه لا يوجد في الوطن العربي المكلوم احترام لآدمية الإنسان، واللغة السائدة في هذه المجتمعات هي لغة السوط. فبدلًا عن الحوار هناك القمع، وبدلًا عن الحرية هناك انتهاك الكرامة الإنسانية، وبدلًا عن العدل هناك الظلم! هذا هو الواقع المر الذي تعيشه المجتمعات العربية. لذلك أصبح المواطن العربي يشعر بالعزلة والقهر والغربة في بلده؛ لأنه كلما حاول أن يخرج ببلده إلى مصاف الشعوب الراقية والمتقدمة يصطدم بطبقة تقليدية انتهازية. إذا حاول المثقف العربي تقديم شيء يُذكر لأبناء جلدته كان مصيره السجن أو المنفى أو التصفية الجسدية.

ولعلاج ظاهرة التخلف، لا بد من تعليم وتثقيف الإنسان العربي، فالإنسان هو الثروة الحقيقية في عالم اليوم. نشر التعليم وإعطاء الفرد حقوقه الكاملة في التفكير والمعتقد والمذهب واختيار من يمثله يساعد على اختفاء ظاهرة العنف. توزيع الثروة بين أبناء البلد، والاعتماد على الذات، وتشجيع التصنيع المحلي، وتوفير احتياجات الشعوب من داخل أراضيها يساعد على بناء مجتمع عربي خال من التخلف. كما أن محاربة الثقافة المستوردة أو بالأصح ثقافة المستعمِر التي غرسها في عقول أبناء المُستعمَر يعتبر واحدة من أهم الوسائل لمحاربة التخلف.

ختامًا

من وجهة نظر كاتب هذه السطور، العنف الذي تمارسة الطبقات التقليدية والطائفية في الوطن العربي اليوم سينقلب عليهما رأسًا على عقب؛ لأن الإذلال والقهر يولد العنف. غدًا ستصيح الطبقات التقليدية الحاكمة من العنف الذي يمارس ضدها، وستنسى أنها هي من ولدت العنف ونشرت القهر والظلم والغبن في كل قرية وسهل ومدينة وعزلة، وأنها هي سبب التخلف. كلما تمادت هذه الطبقات في غيها وظلمها للشعبوب العربية بطريقة فاشية ونازية مفرطة، زاد ذلك من العنف المضاد، وسينفجر الوضع بشكل لا أحد يتصوره ضد هذه الطبقات الحاكمة. على هذه الطبقات التقليدية الحاكمة أن تعرف جيدًا أنه لن يكون هناك ضوابط خلقية عند الإنسان المقهور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد