“أنت عنيف، إذن أنت قوي”، مبدأ خاطئ وقناعة فاشلة عند العديد من الناس والجماعات والحكومات والأنظمة الحاكمة، ولكن بالتأكيد إن امتلاك ترسانة من الأسلحة والقوات والمعدات ليس دليلًا خالصًا وأكيدًا على القوة؛ فسرعان ما تتلاشى هذه القوة الضاربة أمام فكرة إنسانية رائعة تنتشر في عقول الناس وتنتقل من مكان لمكان بسهولة ويُسر.

العنف الذي تمارسه الأنظمة الاستبدادية ضد معارضيها لقمعهم وإرهابهم لحماية أركان حكمها قد يؤدي لعنف مضاد، ينتج عنه ظهور تنظيمات مسلحة للانتقام من النظام الحاكم أو محاولة خلعه بالسلاح. وقد تجد تأييدًا من المظلومين والمقهورين نكاية في النظام المستبد، ولكن مقاومة الأنظمة القمعية بالعنف هو فشل للمعارضين في الأساس ولجوؤهم للعنف يضعف قضيتهم ويفقدهم التأييد الشعبي.
القوة لا تكمن في اليد ولكن تكمن في العقل، فإن عالَمًا بأكمله مدججًا بالسلاح لا يستطيع القضاء على فكرة لاقت قبول الناس وانتشرت فيما بينهم، بل إن العنف أثبت أنه طريقة مؤقتة لمواجهة المشاكل والمنازعات العالمية بين الدول الكبرى، وآلت جميعها إلى المفاوضات والتحاور بعد التطور الثقافي والعسكري الذي منعها من التحارب فيما بينها.

إن من يستخدم العنف ليس هو الأقوى، ولن تدوم له السيطرة وإن طالت، بل على العكس تمامًا؛ من يستخدم العنف هو الأضعف وسيطرته إلى زوال، ويظل صاحب القضية والفكرة الإنسانية هو الأقوى بقوة فكرته وانتشارها واعتناق المجتمع لها.

حارب غاندي الاحتلال الأجنبي لبلاده بفكرة سلمية خالصة انتشرت وسط الجموع وحركت الجماهير، وأجمع عليها شعبه وسانده، بل إنها أثرت في الشعب الإنجليزي وسانده الكثير من داخل صفوف عدوه.
ناضل لوثر كينج ضد التمييز العرقي في بلاده بفكر راقٍ أنقذ بلاده من الوقوع فى مستنقع العنف والحرب العنصرية، وبعد اغتياله بعشرات السنوات انتصرت فكرته وتولى رئاسة أمريكا أول رئيس من أصول أفريقية.

أسس شباب 6 أبريل فكرة التغيير اللاعنيف في مصر في 2008 في مواجهة نظام بوليسي قمعي ينكل بمعارضيه على مر عشرات السنين، مما نتج عنه موجة من العنف والإرهاب في أواخر الثمانينات من القرن الماضي. هذا النظام وقف عاجزًا أمام الأساليب السلمية المبتكرة التي اتبعها هؤلاء الشباب، وجعلت المجتمع يتابعها ويؤيدها ثم ينحاز إليها ويتبناها، حتى قامت ثورة 25 يناير على هذه الأسس وأبهرت العالم أجمع بسلميتها ورقيها.

 

تجارب كثيرة أثبتت وتثبت أن امتلاك القوة ليست باللجوء للعنف، وأن الأفكار دائمًا أقوى من الرصاص، وكلما كانت الفكرة إنسانية سلمية خالصة كلما لاقت قبول الجماهير واستمرت فى الانتشار والتضخم، حتى تسود وتنتصر مهما طال الوقت.

حتى إذا اشتدت الاختلافات والتوجهات، وتفجرت الصراعات السياسية، واشتد القمع والتنكيل بشكل يجعل البعض يفقد إيمانه بالسلمية في مواجهة العنف الأمني؛ فإن التمسك باللاعنف والسلمية هو الأصعب، وهو طريق الأقوياء للانتصار في أي معركة ضد الظلم والاستبداد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد