يجود علينا واقعنا اليوم بالكثير من الأحداث على جميع المستويات وفي جميع المجالات، بوجبة سريعة الاستهلاك. والحق أنها وجبة خالية من المواد الكيماوية الحافظة، وجبة تكشف القناع عن الجانب الطبيعي في الإنسان. إنها وجبة العنف الكثيرة الاستهلاك.

هو عنف في أسلوبنا التربوي، في علاقاتنا الاجتماعية، داخل المدرسة، في المستشفيات، في الشارع وحتى داخل البيت ونحن جالسون أمام التلفاز يجود علينا بدوره بأشكال ما يكفي من مظاهر العنف ومفاهيمه ومشاهده من رسوم متحركة وأفلام وبرامج وأخبار حتى في النشرات الجوية فيها رياح عنيفة وبحر كثير الهيجان، غير أننا نقبله في مجال الأرصاد الجوية لأنه يرتبط بجبروت الطبيعة القاهر للتواجد الإنساني، ومع ذلك بالعقل استطاع الإنسان السيطرة عليها فكان ملكًا عليها ومالكًا لها. فما محل العقل من الإعراب أمام العنف الإنساني لبعضه البعض؟ وكيف يواجه محنته تلك؟

نعود لنقول إذا كانت التربية هي من يضع اللجام على هذه الحالة الطبيعية عن طريق التنشئة الاجتماعية، كي تنقل الإنسان إلى حالة الثقافة داخل مجتمع تضبطه قوانين وتنظمه وتقبل بالحرية المقننة. لماذا اليوم لم تنجح الأسرة في ذلك؟ لماذا اليوم أصبح العنف بين الناس أكلة سريعة تغذي الصراع وتكثر من المشادات داخل كل تواجد اجتماعي؟ بل أصبح العنف مشهدًا يوميًّا طبيعيًّا تقدم فيه النصيحة بأسلوب عنيف لاغية كل إمكانية للتواصل، وكأن العنف له دائما ما يبرره؟

فهل زمن التربية على القيم والأخلاق ولى ولم يعد؟ وهل مدة صلاحية القيم قد انتهت؟ أم أن معايير أخلاقية أخرى ظهرت مع تغير المجتمع باعتباره واقعًا يجر معه الكثير من المعاناة، وكأن تواجد الفرد داخل هذا المجتمع يفرض عليه أن يكون إما غالبًا أو مغلوبًا؟

هل سنقبل على أنفسنا العودة إلى قانون الغاب، القوي يأكل الضعيف والبقاء للأقوى، مع العلم أن كل قوي يوجد من هو أقوى منه، وأن كل قوي سينتهي عمره بالضعف فيكون من مصلحته الامتثال للقوانين الوضعية؟

أليس قبولنا للعنف، هو تسليم ضمني لاستبدال قوة الحق بحق القوة، فتضيع كل المفاهيم الإنسانية الجميلة التي يتباهى تاريخ الإنسان بالحديث عن ما حققه من إنصاف ومساواة وحقوق وعدالة؟

نحن نتكلم عن علاقات اجتماعية يومية بسيطة داخل المجتمع وما يشوبها من التباهي بالعنف والتظاهر بالقوة باعتبارها معيارًا لفرض الوجود. ألم يحن الوقت للدعوة إلى التربية على القيم النبيلة والتشجيع عليها وإجراء مباريات وأفلام ومهرجانات تتخذ من القيم الأخلاقية وجبة شهية للتواجد الاجتماعي الإيجابي المريح لبعضنا البعض ولحياة بسيطة هادئة؟ ألم يحن الوقت للتفكير في تخصيص مادة دراسية في كل المستويات اسمها القيم الأخلاقية؟

إن كل سلوك عنيف فيه دعوة لعنف مضاد يصبح ضرورة قبول العنف باعتباره سلوكًا، وأي تعقل فيه إعلان عن حالة خوف وعدم القدرة على تحقيق الحق وأننا في موقف حرج، تلك إذن محنة جديدة للعقل يبدو فيه العنف نوعًا من الذكاء الاجتماعي وإثبات الذات وسط المجموع والإثارة العلنية لكل مشكل بإزعاج كبير وبشكل متكرر في كل تجمع إنساني.

لقد كانت للحضارة دعوة عملت على تجاوزها عبر حقب من التاريخ هي تحقيق مفاهيم إنسانية نبيلة من عدالة وإنصاف، وقد كان نوعًا من الاستحقاق كنا نفتخر به لمدة من الزمن بعد امتثال الإنسان للقوانين الوضعية. لكن اليوم كان في نهج سلوك العنف تمرد على قلق الحضارة وعلى كل تنظيم إنساني لا يخلو من الجهد لتحقيق السكينة والراحة النفسية فيه إشارة لاهتزاز الثقة في كل ما هو وضعي. وهكذا إذا لم تستطع تلك القوانين الوضعية الرقي بالإنسان ألا يصح تناول الموضوع بالعمل على ترسيخ منظومة القيم في شتى المجالات بل وتنظيم تكوينات في هذا المجال من أجل حياة أفضل للجميع والدعوة لتخليق الحياة الاجتماعية بشكل جدي بتفكير براغماتي فاعل في الظروف الراهنة؟

عمومًا لا زالت نفحات أمل تسري داخل مجتمعنا وتدعونا للسير قدمًا نحو إنسان نبيل يتخذ من العقل والقوانين مصدرًا لكل علاقة اجتماعية هادفة، فيها من الحوار ما يكفي ومن الحب ما يكفي ومن التسامح ما يكفي، خصوصًا أن للكون رب يدبر وجوده، هو الجبار القوي ومع ذلك هو الغفور الرحيم. أليس في ذلك عبرة لإنسان من شيمه الضعف حتى في أكبر لحظات قوته يخفي ضعفًا، ولد ضعيفا وينتهي ضعيفا، ومن مصلحته أن يكون عادلا. ولأن الصداقة أهم من العدل كما قال أرسطو، أفلم يحن الوقت للدعوة والتشجيع على العلاقات الإنسانية الإيجابية السوية في مختلف مجالات الحياة يكون التواصل والإيمان بالاختلاف أهم أعمدتها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العنف
عرض التعليقات
تحميل المزيد