مقتل وإصابة المئات في باريس في سلسلة هجمات متزامنة مساء الجمعة، لم يكن حادثًا مفاجئًا في نوعه ودمويته البالغة، لكن أن يكون في باريس وبهذا الحجم فهذا هو الذي فاجأ العالم؛ خاصة أنه ضرب حتى بالقرب من إستاد باريس الدولي حيث كان يشهد رأس الدولة الفرنسية فرانسوا هولاند مباراة كرة القدم.

والحقيقة أن مثل هذه الأحداث الجديدة القديمة تثير دائمًا تساؤلات حول الوسائل القاصرة التي نواجه بها العنف المنظم في الشرق والغرب بحماسة واندفاع وقسوة، ثم يعود العنف من جديد ويضرب بقسوة هنا أو هناك، فنحن عادة نكتفي بمعالجة العنف أمنيًّا، أو نركز على هذا النوع من العلاج دون الوسائل الأخرى الفعالة التي لا تأخذ إلا جانبًا هامشيًّا من إجراءات الحل الفعلية.

أوضاع الأقلية:

ولكي نفهم المسألة الفرنسية من جذورها، يجب أن نستحضر صورة الأقلية المسلمة الكبيرة في هذا البلد الأوروبي المركزي، والذي خرج من صفوفه أكثر من نفذوا أعمال العنف السياسي في فرنسا خلال السنوات الأخيرة، حيث إن غالبية أفراد هذه الأقلية هم من المهاجرين والمولَّدين من أبنائهم الذين قدموا -في أكثر الحالات- أو قدم آباؤهم من شمال إفريقيا وغربها، وقد حرص هؤلاء على الاحتفاظ بانتمائهم الديني وتوقي الذوبان في المجتمع الفرنسي؛ خاصة أنهم يسكنون عادة في الضواحي وعلى أطراف المدن الفرنسية.

ومع أن العناصر المشاركة في أعمال عنف وإرهاب ضد الدولة الفرنسية هي عناصر محدودة العدد بالتأكيد من بين أكثر من أربعة ملايين مسلم فرنسي لا علاقة لأكثرهم بأمور السياسة، فإن قابلية آخرين الانخراط في مثل هذه الأعمال -مهما تكن نسبتهم ضئيلة- موجودة بالفعل، مثلما هي موجودة في أماكن أخرى من أوروبا والعالم العربي.

وقد أثبت التواصل الإلكتروني لتنظيم الدولة الإسلامية -المرتب بنظام دقيق والمسكوت عنه دوليًّا بصورة مثيرة للريبة- مع الجماهير المسلمة في العالم هذا الارتفاع في نسبة القابلية للانخراط في “أعمال عنف” مباشرة في أماكن الحرب بسوريا والعراق، أو في محل إقامة هذه العناصر التي تقبل التجنيد، ويشهد لذلك أحداث تفجير متنوعة شهدتها خلال هذا العام الكويت والسعودية ومصر ولبنان والآن يشهدها قلب باريس، كما تشهد له تلك الأعداد الكبيرة من المتطوعين الوافدين من أنحاء العالم للقتال مع تنظيم الدولة.

ومن دراسة العنصر البشري الصانع لهذا العنف في فرنسا سنلاحظ أنه عادة ما يكون من الشريحة السنية الشابة غير المنتمية ولا المنتقلة من تيار إسلامي إلى آخر، وأنه لم يسبق له السفر إلى أي دولة عربية أو إسلامية ولا حتى للحج، وأن كثيرًا منه معروف بالهدوء والانطواء أحيانًا والالتزام الديني والأخلاقي الجاد، وهو ما يبدو ناتجًا عن عمق الانتماء الديني وعن الانطواء الذاتي والتهميش الخارجي الذي يقع على المهاجرين، إضافة إلى أن ضخامة أعداد المسلمين في أوروبا وقربها الجغرافي من بلدان العالم الإسلامي حال دون تكرار النتيجة التي عاشتها كثير من الأقليات الإسلامية في أمريكا الجنوبية -مثلًا- حيث ذابت هويتها مع الوقت بفعل ندرة العناصر الإسلامية -البشرية والمؤسسية والثقافية- في كثير من هذه البيئات.

إن مشكلة المجموعات المتشددة التي تظهر من وقت إلى آخر في فرنسا وفي أوروبا عامة فكرية واجتماعية أولًا، ويغذيها ويعطيها مسوِّغها عدم عدالة المواقف الدولية -الفرنسية وغير الفرنسية- في قضايا العالم الإسلامي. والقابلية لارتكاب أعمال عنف ليست هي المتهم الأول في هذا الجانب؛ لأنها طبيعية في الإنسان وتتحول إلى الفعل بسبب التعرض لسوء تفسير تنتجه المواقف المضادة غير المعقولة.

وقد حاورت أحد الشباب الأوروبي المسلم قبل سنوات في هذه المسائل، وأن البلد الأوروبي الذي تنتمي إليه أعطاك الأمان على نفسك ولقمة عيشك، وأن هذا يوجب عليك أن يأمنوا جانبك، وإلا تركتهم إلى حيث تحب أن تعيش من العالم. فأجاب بأن هذا ترتيب للأدوار ليس أكثر، وأنهم يلبسون قناع الحرية الزائف، لكنهم يضربوننا في كل مكان!

إن هناك اعترافًا غربيًّا صريحًا تردد مع أحداث باريس وغيرها بأن الإجراءات الأمنية ليست كافية للقضاء على العنف الدولي أو ما يسمى الإرهاب، وهذا صحيح تمامًا، ليس فقط لأن اليد القابضة على السلاح ترتخي مع الوقت مهما اتخذت من الإجراءات في حموة الغضب، ولكن أيضًا لأن التشخيص الصحيح لحالات العنف – الواجب مراعاته في حل هذه المعضلة- يؤكد أنه في أكثره ردة فعل على المواقف الدولية المنحازة ضد قضايا المسلمين، ويُترجَم في بيئات لديها القابلية على المواجهة العنيفة بكل وسيلة وبدون مراعاة لأي أصل أو مبدأ أخلاقي في هذه الناحية، وكأنها تواجه الأخلاق الغربية بلا أخلاق مثلها.

ومثال الحالة التركية الحالية والموقف الغربي منها صارخ على الانحياز الغربي ضد كل ما هو إسلامي وبدون سبب معقول، فالغصة التي أصابت واشنطن وباريس ولندن وغيرها من عواصم الغرب من فوز حزب العدالة والتنمية أخيرًا بالانتخابات النيابية بسبب خلفيته الإسلامية، وقبلها فوز مؤسس هذا الحزب رجب طيب أردوغان برئاسة الجمهورية التركية، هذه الغصة لا تخفى على أحد، كما أن محاولة الزج باسم تركيا بكل طريق في مذبحة باريس الأخيرة لا تخفى؛ بذريعة أنها هي المنفذ المفتوح لدخول اللاجئين السوريين إلى قلب أوروبا.

لكن يبدو أننا حين نطالب فرنسا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية بالعدالة في النظر إلى القضايا الإسلامية، وعدم التدخل السالب في شؤون بلادنا بمساندة الاستبداد والديكتاتورية (مصر مثلًا) والاحتلال والتدخل الأجنبي (فلسطين والعراق وسوريا مثلًا)، يبدو في هذه الحال وكأننا نطالبهم بنسيان ذواتهم ومنظومتهم الحضارية وتفسيرهم للأمور ونظرتهم للآخر، وهذا يعني أننا سنظل ندور في دائرة مفرغة حتى يحكم الله بيننا وبينهم!

توحش العنف:

وبالعودة إلى الحدث الباريسي الضخم الذي هز العالم ومعه هيبة الدولة الفرنسية مساء الجمعة الماضية، نجد واضحًا أن الضرب كان للضرب، والقتل كان كذلك للقتل، وليسا للضغط أو توظيف العنف سياسيًّا وكسب مواقف على الأرض كما هي العادة، وهو تطبيق مرعب لنظرية إدارة التوحش التي تبنتها بعض فصائل القاعدة وتنظيم الدولة؛ حيث المبالغة في الدموية، والتوسع في إلحاق الضرر بالآخر باعتبار أن كل ساحة هي جزء من ميدان القتال، وكل مخالف هو خصم يجوز قتله.

ومن المؤكد أن الشعوب في كل مكان لن تتوقف يومًا عن مقاومة المتسلطين على شئونها والمحتلين لأرضها والمتعرضين لمقدساتها بالتهوين والاستهزاء، لكن هذه المقاومة الشريفة قد تتحول إلى عمل بلا مبادئ وإلى سلوك إجرامي إن أحيط بهذه الشعوب، وضيقت عليها السبل، وحيل بينها وبين أن تحمي حرماتها وثقافتها وحقوقها في الأرض والماء والثروة بالطرق المشروعة والمحترمة.

لقد قدمت الفضائية “الفرنسية 24” الناطقة بالعربية عقب حادث باريس تغطية للحادث ومتابعة له من خلال المحللين تبدو من خلالها جذور الأزمة أو بعض تجلياتها. ومع مراعاة أن أغلب هؤلاء المحللين هم من العرب المقيمين في فرنسا أو الفرنسيين ذوي الأصول العربية الذين يخشون عاقبة الحادث المفاجئ ونتيجته في الشارع الفرنسي الغاضب، فإن الوقوف مع خلاصات الرأي التي وصل إليها هؤلاء في تحليلهم للحدث الكبير تؤكد أننا جميعًا نشارك في صناعة العنف من خلال ردة الفعل الآنية ومن خلال التحليلات الهادئة على السواء.

ومع الإيمان بحرية الرأي والتعبير إلا أن توظيف هذا في تأريث الكراهية وإثارة الأحقاد وعدم التمييز بين المعتدل والمتطرف، هو تحريف لوظيفة الكلمة يحول المنابر الإعلامية إلى قاعدة متقدمة لإطلاق الصواريخ بعشوائية، وهذا ما فعله ضيوف الفضائية الفرنسية مساء الجمعة وعقب الحادث المرعب مباشرة، فأحدهم -وهو مصري باريسي- لم يترك فرصة في حديثه للهجوم على تركيا والشعب السوري إلا استغلها متهمًا إياها بأنها منفذ سهل للمهاجرين، وأن هؤلاء هم الذين يعكرون صفو الحياة في الغرب، وأن فرنسا ستبقى منارًا للحرية وقلعة وطيدة للديمقراطية والنور في العالم!

في حين انبرى ضيف عربي باريسي آخر للقول بأنه “ليس هناك إسلام معتدل.. هل الإسلام المعتدل هو إسلام القرضاوي الذي يدعو إلى القتل”!! إذن عرفنا أي إسلام تريدون؛ إنه إسلام السلطان الذي يسبح بحمد الديكتاتور، ويبارك ويعطي الشرعية لقراراته القاسية في الداخل والخانعة في الخارج.. إسلام السكوت والصمت والعيش متفرجين على الحياة التي تعدو سريعًا من حولنا ونحن نتفرج عليها راضين بما قسمه الله لنا!

إنكم يا قوم لا تعالجون بهذا أزمة، ولا تطفئون نارًا، بل تشعلون نارًا جديدة لن تقضي على العنف في هذا العالم أبدًا. ولو كانت طريقتكم في فهم الأمور علاجًا للعنف لنجح سلفكم الكبير جورج بوش الابن في القضاء على “الإرهاب” خلال حملته الشهيرة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن الأرقام الغربية نفسها تفيد بأن معدل العنف زاد في أنحاء العالم عقب غزو العراق وأفغانستان والتضييق على المؤسسات الإسلامية الخيرية والإغاثية في العالم؛ ذلك لأن العقوبة طالت الأبرياء أكثر من الجناة، وفسرت الأمور بسطحية قاتلة، وزادت العداوات والثارات النائمة في الصدور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد