«إذا أرادت امرأة الكتابة فيجب أن يكون لها غرفة، ودخل منتظم مهما كان ضئيلًا».

من الصعب على امرأة أنهت حياتها انتحارًا ألا تكون حاملة لندوب جرح عميق لم تفلح كتابة السطور حوله من تخفيف روع الألم، أراها الآن جالسة على منضدة مكتبها تهيئ محاضرتها المزمع إلقاؤها على طالبات كامبردج حول النساء والكتابة، تتحسس مكان الجرح فلا تجده أو ربما لم يعد ملمس يدها يتعرف عليه.

تمضي متسائلة «ما الذي كان يمنع المرأة من الكتابة طوال هذه العصور السابقة»، ثم تستدرك: ألم تكن هي ذاتها قد اكتفت بالتعلم وشقيقتيها في المنزل في حين أن إخوتها الذكور سمح لهم بارتياد المدارس والكليات التي أعدت لهم خصيصًا؟ لمَ لمْ تتمكن النسوة من جني النقود وتكديس الثروة التي كانت ستسمح لهن الأخريات بإنشاء مدارس وكليات خاصة بالبنات كالبنين؟ لتجيب: «آه» نعم، لم يكن يسمح للمرأة بامتلاك ثروة نقدية أو عينية، إذ يؤول كل ما تمتلكه لزوجها الذي يخبر سوق الاقتصاد والقيم.

لم يكن ليخفى على فرجينيا وولف المدى الذي كانت معه المرأة مسربلة بالصمت والكتمان حتى لأبشع صور الانحطاط والمذلة التي أمكن أن تعانيها فتطفئ من بنات فكرها وعقلها الشيء الكثير، فالتحرش الذي مورس عليها من طرف أخويها غير الأشقاء خلف فيها ذعرًا وعدم اتزان حاولت مداراته سنين عيشها، ولم يعدل اختلاله حتى الزواج من رجل أحبها، وكان خير عضد لها.

لقد عدت فرجينيا وولف احدى رائدات موجة الحركة النسوية الأولى فوصفت أعمالها الروائية ومن أبرزها «السيدة دالواي» بكونها تشريحًا عميقًا لما يعتمل في النفسية الأنثوية، إذ لا يكفي أن تكون المرأة زوجًا وأمًا، بل يجب أن تكون ذات استقلال مادي وفكري حتى تغدق إنتاجًا وكتابة، وقد نعتبر مقالتها المطولة «غرفة تخص المرء وحده» الصادرة سنة 1929 كـ«مانيفستو» الحركة النقدية النسوية في القرن العشرين، والتي ستصل أوجها في السبعينات من نفس القرن مع بيتي فريدان، كيت ميليت، جيرمين جرير وجوليا كريستيفا، اللواتي رفعن الحجب والأستار عن القضايًا الجنسية التي كانت لا تزال تابوهات، وذلك استنادًا إلى مناهج بحث ومعارف تنهل من الفلسفة الماركسية والعلوم البيولوجية والأدب.

أعود إلى لندن في احدى الليالي الباردة، أجد فرجينيا ما تزال مسمرة في مكانها الأثير على كرسي مكتبها، هي الآن قد أوقدت المدفأة وتسلت بالاستماع إلى طقطقات أغصان الشجر، وهي تحترق محدثة أثيرًا مرهفًا أغرقها في لذة لا تقاوم كادت أن تنسيها أمر المحاضرة، لكنها فجأة تتوثب مذعورة، فللواجب صحوة قوية لا ترتدع إلا بالموت، فتقرع نفسها لاستعادة خط الرجعة وهكذا تكتب «إذا أرادت امرأة الكتابة فيجب أن يكون لها غرفة ودخل منتظم مهما كان ضئيلًا» الواقع أن هذه الجملة ليست هي المقال عينه، ولكنها المقال لبه.

أن تكون للمرأة غرفة خاصة تودعها أسرارها وخويصات نفسها يعد تحصيل حاصل اليوم، فتتفنن الفتيات في اختيار ألوان الأطلية وانواع المفارش والمخامل كما لا تعدم فرصة لتقطيب حاجبيها كلما اقتحم خلوتها أحد أفراد الأسرة دون سابق استئذان، أو حتى طرق خفيف، الشيء الذي كان عصيًا تصوره فيمًا خلًا من القرون وحتى في العهد الإليزابيثي الأول فقلة قليلة من النساء اللواتي كن ينتمين إلى الطبقة النبيلة من تمتلك غرفًا خاصة، لقد اعتبرت فرجينيا هذا الأمر عداءً واضحًا موجهًا للمرأة، ولكل محاولة لها بالكتابة «فالعالم لم يقل لها ما كان يقوله لهم، اكتبي لو أردت إن ذلك أمرًا لا يعنيني، وإنما قال العالم وهو يقهقه: تكتبين؟ وما الفائدة وراء كتابتك؟».

هكذا ووجهت بالسخرية والتهكم تلك المرأة التي توجهت إلى الإبداع بعدما توفرت لها بحبوحة العيش، تستشهد فرجينيا بالليدي ونتشيلسي التي كانت تكتب قصائدها المفعمة بالرومانسية، لكن سرعان ما تصاب بالاكتئاب الذي يعبث بألق كتابتها بعدما وصفوها بأنها «امرأة ذات جورب كحلي بها حكة تجعلها تنقش الورق»، يا لفداحة الحكم.

تقدر فرجينيا وولف أن مشارف القرن التاسع عشر كانت بساطًا سحريًا حمل النسوة إلى عالم الكتابة بحق، فها هي الأسماء الأربعة الشهيرة جورج إليوت، جين اوستن ايميلي وشارلوت برونتي تسطع في سماء الإبداع الروائي وكلهن تنتمين إلى الطبقة الوسطى، لكن مهلًا، تستطرد فرجينيا: لماذا الرواية بالضبط وليس الشعر؟ الجواب هو أنه لم يكن للنساء وقت لأنفسهن فقد كانت تقاطع باستمرار، ولذا كان من الأسهل كتابة النثر أو القصص، ومن الأصعب كتابة الشعر أو المسرحية، فالنثر يقتضي تركيزًا أقل، وقد كتبت جين أوستن تحت تلك الظروف حتى نهاية حياتها. يقول ابن أختها في مذكراته «كيف تسنى لها أن تنجز ما أنجزت، لهو أمر يدعو إلى الدهشة؛ وذلك لأنه لم يكن لها مكتب خاص تلجأ إليه، ولا بد أن معظم العمل تم في غرفة الجلوس المشتركة، وكان عرضة لشتى أنواع التدخل العابر وكانت حريصة ألاَ يلحظ عملها أي من الخدم أو الزوار أو أي شخص لا ينتمي إلى العائلة مباشرة».

تلك الخلوة التي يحتاجها الكاتب حتى تنقذع ذبالة فكره ويرفع عقيرته، هي التي ربما أتيحت لشكسبير حسب فرجينيا «ماذا كانت حالة شكسبير الذهنية مثلًا، عندما كتب «لير» و«أنطونيو» و«كليوباترا»؟ لا بد أنها كانت الحالة الأكثر تشجيعًا وملاءمة لكتابة الشعر على الإطلاق.. نحن نعلم بالصدفة وعلى نحو عرضي أن شكسبير لم يلطخ سطرًا واحدًا بالحبر»، لكن هب أن لشكسبير أختًا توأمًا تدعى جوديث، ولها من توقد الذهن وملكة الشعر والتأليف المسرحي ما يضاهي أخاها وليم، هل كانت تسنح لها الفرصة في أواسط القرن 16 أن تترك الريف الإنجليزي على ديدن أخيها لتؤم المدينة بأضوائها حتى تبلغ الركح وتجهر بإبداعها؟ تشك في ذلك وولف، بل تعتبر أن جوديث حتمًا كان مصيرها زواجًا قسريًا غالبت في تحمله حتى دفعت إلى الانتحار.

مهمًا كان من شأن هذه الحقيقة أن تكون ممضة فمًا تزال ذات راهنية اليوم، وليس بمعنى امتلاك غرفة خاصة تلك التي تستمد وجودها من الآجر والإسمنت، ولكن ربما غرفة فكرية منيعة أمام رياح التعصب والتمييز تعرف متى تحكم اغلاق مزلاجها، ومتى تفتح بابها على مصراعيه؛ غرفة صاحبتها تقدر ذاتها وتملك أسباب عيشها باستقلال وكرامة.

ألقت فرجينيا محاضرتها وتلتها محاضرات؛ ثم ذات يوم، رأيت فرجينيا تخرج من منزلها الريفي بعدمًا كتبت لزوجها رسالة الوداع الأخير وتوجهت إلى النهر القريب من منزلها، وبعدما ملأت معطفها بالحجارة الثقيلة قفزت إلى أعماقه دون سابق إنذار.

ولم تظهر مجددًا على السطح، كان صعبًا أن أنقذها لأني بهت في مكاني لوقع الصدمة وهول المفاجأة أولًا، ولأني لا أجيد السباحة ثانيًا، والأهم أن فجوة الزمن بيننا كانت سلطانًا أقدر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المرء, وحده

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد