في عالم يبني حضارته واقتصاده على الأرقام والافتراضات ثم يعمل على تجسيدها على الواقع حتى تصبح حقيقة بعد أن كانت مجرد خيال، يعيش الشاب الجزائري حالة فوضى عقلية وفكرية واقتصادية نتيجة للواقع لا يعرف المخرج منها إلا بالعودة إلى عقله ورسم حياته وواقعه الاجتماعي المفترض أن يكون، ويجسده في عقله بترسانة من الأوهام ثم بعد ذلك يهدمه أو يفجره لأن المكان لم يعد صالحًا للبناء.

لكن الأمر الذي يجب أن ننتبه له والذي كان من اللازم أن نعرفه هو ما هو هذا الواقع الافتراضي الذي يرسمه الشاب في عقله وكيف يراه. حيث أن المشكلة الأساسية أنه يبدع في تصويره وإنشائه لكن لا يعرف كيف ولو بطريقة ما أن يخرجه إلى حيز الواقع ربما لأنه لم يعد يحسن الكتابة أو لم يجد من يقرأ أو لا يؤمن بها أصلا وإما أنه لا يتقن التجسيد وليس هذا نتيجة عيب فيه أو لأن الأمر سيؤول إلى الهباء سواء فكرت لأم لم تفكر عملت أم لم تعمل.

وبصفتي شاب من هؤلاء الشباب الذي يعيش ليل نهار في رسم واقعه الافتراضي داخل مجتمعه في صمت حتى لا يوصف بالجنون أو الخروج عن المألوف أبوح ببعض أسراره وقواعده التي هي في الحقيقة ليست أسرارًا وإنما واقع كان يجب أن يعاش لعلها تجد من يؤمن بها.

واقع يبني أساساته على قاعدة قانونية متينة لا محاباة فيها ولا استثناءات وإنما لكل ذي حق حقه لا يبخس من ذلك قيد أنملة حتى يجد الضمانات التي توفر له الحماية والمساواة وأنه في أمان من أن يعتدى عليه وعلى حقه خاصة ممن هم أعلى منه منزلة وأن القيمة بالنتائج وليس بالأوهام واستخدام السلطة وفي وضوح وشفافية مطلقة.

واقع مبسط وسهل التعامل معه ويعمل على تقدير المواهب والكفاءات والاحتراف ويعمل على اكتشاف ما هو مجهول داخل الشباب والذين لا يجدون الوقت لاكتشافه نتيجة للركض المستمر والفوضى العقلية والمعيشية، فالمواهب والخبرات المخبأة داخل الشاب ثروة تقدر بأثمان باهظة ولكن لا يملك أو لا يجد من يجزيها حقها إن هو نقب عنها أو لم يجد أصلا من يساعده في التنقيب عنها  وعرضها على الأسواق الوطنية والعالمية وهذا طبعا بعد أن تكون هناك مراكز مؤهلة وذات جودة لصقلها وتحسينها وتسويقها ونقصد بذلك الاهتمام بها وتحميلها المسؤولية وإعطائها ما تحتاج إليه كأساسيات لتعبر عن نفسها ومواهبها في المراكز والأماكن المخصصة لذلك بطابع مؤسساتي يعمل على إحراز النتائج وتحقيق الرؤى والأهداف وليس محاولة التخفيف عن الكاهل فقط.

واقع فيه ماكينة الصناعة لا تتوقف أبدًا وبمعايير ومستوى عالمي يحفز على العمل أكثر وعلى التنافس والتعبير عن الإمكانات والشخصيات والعيش في عالم المغامرة الاقتصادية الهادفة وتحقيق متعة البناء والهدم للمنتجات والتطلع لما هو أحسن والعلم بأن التميز والمزيد من المهارة سيدر عليه المزيد من المال وتحقيق الذات فيضيف إلى ذلك متعة تسلق سلم الصعود إلى أعلى.

واقع ممتع حيث بعد كل مغامرة مشوقة يجد الملاذ الآمن والدافئ في محيط يبعث الحياة في النفوس وفي بيت كريم وبمركبة جيدة قد حصدها نتيجة لتلك المغامرات الرائعة والتي تمنح رد فعل  لكل فعل إيجابي وهادف في إطار خالٍ من التعقيدات وفي أمان تام فيملأ خزان المشاعر والأحلام من جديد ليبدأ مغامرة جديدة بقوة أكبر ومتعة أكثر متطلعًا إلى المزيد من نتائج يديه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد