في سنة 1946، أخرج جون هستون فيلمًا وثائقيًا يعرض مراحل علاج مجموعة من الجنود الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية، كانوا يعانون من مرض نفسي يسمى «اضطراب ما بعد الصدمة»، وهو مرض يصيب من واجهوا أحداثًا مروعة مثل الحروب والكوارث. كان يعاني هؤلاء الجنود من هلاوس وقلق ومنهم من أصيب بفقدان للذاكرة أو فقدان القدرة على الكلام أو المشي، كانوا يحاولون الهروب من ذكرياتهم لكنها كانت تطاردهم. يوضح الفيلم الوثائقي كيف عولج هؤلاء الجنود عن طريق جعلهم يتذكرون ما حدث لهم في الحرب ويواجهونه، ويتحدثون عنه بدلًا من الهروب منه، وأظهر الفيلم مدى فاعلية طريقة مواجهة المخاوف في علاج الأمراض النفسية، ظلت هذه الطريقة تستخدم وتتطور أساليبها في محاكاة الفواجع التي أصيب بها المرضى لتمكنهم من مواجهتها والتغلب عليها، لكن مع ظهور ما يسمى بتكنولوجيا الواقع الافتراضي صار العلاج بمواجهة المخاوف أكثر إمكانًا وأكثر فاعلية، فالفوبيا والتوحد واضطراب ما بعد الصدمة وأمراض أخرى يمكن أن تعالج باستخدام هذه التكنولوجيا التي تعتمد في الأساس على ما يشبه الألعاب الإلكترونية.

في الوقت الحاضر صارت المشاكل النفسية من أكثر الأمراض انتشارًا، فالحروب والصراعات والحوادث بالإضافة للتلوث الذي جلبته التكنولوجيا زاد من احتمالية الإصابة بالأمراض النفسية، فعلى سبيل المثال، لم يعد الجنود وحدهم المعرضين لاضطراب ما بعد الصدمة، بل المدنيون الذين دمرت الحرب بيوتهم، أو أفقدتهم أهليهم كانوا أيضًا عرضة للإصابة بذلك المرض الذي يمنع الإنسان من ممارسة حياته بل ربما يؤدي به للانتحار، واليوم وأمتنا تواجه تلك المصاعب والصراعات، ومع ازدياد مشكلة اللاجئين زاد معها عدد المصابين باضطراب ما بعد الصدمة خصوصًا بين الأطفال، المشكلة أن هؤلاء لا يملكون ثمن العلاج التقليدي الذي يعتمد في الأساس على الأدوية، ورغم أن كثيرًا من الأمراض النفسية يمكن أن تعالج بطرق غير الأدوية إلا أن استخدام الأدوية هو الشائع، علمًا بأن الدواء في كثير من الأحيان يكون غير فعال مع أمراض مثل اضطراب ما بعد الصدمة أو التوحد أو الفوبيا.

من أكثر الطرق فعالية كما أوضح الفيلم الوثائقي الذي ذكرناه هي طريقة «مواجهة المخاطر»، على سبيل المثال، علاج فوبيا المناطق العالية يكمن في أن تقنع المريض بأن يصعد للمناطق العالية ويواجه هذا الخوف، في الواقع هذا الأمر ليس سهلًا، وربما يعرض حياة المريض للخطر، لكن إن استطعنا أن ندخل المريض في عالم افتراضي ليواجه تلك المخاوف وهو داخل غرفته فهذا سيساعد كثيرًا في العلاج، وهذا ما جعلته تكنولوجيا الواقع الافتراضي ممكنًا.

والتنقية تعتمد على إدخال المريض في لعبة إلكترونية تحاكي مخاوفه عن طريق نظارات ثلاثية الأبعاد تشعر المريض كأنه داخل اللعبة بالفعل، مما يمكنه من مواجهة مخاوفه مع شعوره في الوقت نفسه بالأمان بأنه بعيدًا عن الأحداث، بالإضافة لعامل المتعة الذي تضفيه اللعبة على العلاج.

قال لنا دكتور ألبرت ريزو عبر سكايب، وهو دكتور نفسي، ومخرج، ومصمم واقع افتراضي، وأحد رواد هذه التكنولوجيا منذ بدايتها في تسعينيات القرن الماضي، ومدير مركز الواقع الافتراضي الطبي في معهد التكنولوجيا الإبداعية في جامعة جنوب كاليفورنيا: إنه عند بداية التفكير في استخدام تلك التقنية في العلاج النفسي في بداية التسعينيات، كانت التكنولوجيا المتاحة لتنفيذ هذه الرؤية ضعيفة، فالحواسيب كانت بطيئة جدًا، وتقنيات الجرافيك ثلاثي الأبعاد كانت بدائية، والنظارات أيضًا كانت مكلفة وثقيلة وذات كفاءة منخفضة، لكن خلال العشرين عامًا الماضية تطورت هذه التكنولوجيا بشكل سريع حتى صار من الممكن استخدامها في تطبيقات الصحة النفسية بشكل أكثر فاعلية وأقل تكلفة، وذكر دكتور ألبرت أن كثيرًا من الأبحاث خلال العشرين عامًا الماضية قد أجريت لدراسة استخدام تكنولوجيا الواقع الافتراضي في علاج الأمراض النفسية، وقد أوضحت تلك الأبحاث قدرة تكنولوجيا الواقع الافتراضي في علاج مجموعة متنوعة من الأمراض النفسية. على سبيل المثال تستخدم حاليًا تكنولوجيا الواقع الافتراضي في علاج اضطرابات ما بعد الصدمة، اضطرابات القلق، التوحد، الفوبيا، اضطراب نقص الانتباه، البرانويا، السكتة الدماغية، والاكتئاب. وأظهرت تكنولوجيا الواقع الافتراضي كفاءة عالية في علاج تلك الأمراض مقارنة بالطرق التقليدية في أغلب الحالات، حيث وصلت نسبة الشفاء ل 70% من الحالات، وأوضح دكتور ألبرت أن الشفاء يعتمد على حالة المريض وعلى مدى استمراريته في العلاج.

وقال أيضًا إنه في الآونة الأخيرة مع ظهور نظارات الواقع الافتراضي الملحقة بالهواتف الذكية التي طورتها شركات مثل سامسونج وغيرها جعلت تكاليف شراء النظارات اللازمة لتكنولوجيا الواقع الافتراضي أقل من 100 دولار بالإضافة لثمن الهاتف، وأضاف أنه يجرى الآن تطوير برامج علاجية لبعض الأمراض النفسية لتطرح على نظام أندرويد وغيره من الأنظمة، لكنه توقع أنها لن تكون ذات فاعلية كافية؛ حيث إن كل حالة لها خصوصيتها، وبالتالي فهي تحتاج إلى متخصص نفسي ليساعدها على العلاج، لكن تلك البرامج بلا شك ستسهل علاج كثير من الحالات.

وأضاف دكتور ألبرت أنه يتوقع أنه مع استمرار التطور في تلك التكنولوجيا سيكون علاج الأمراض النفسية متاحًا للفقراء واللاجئين في فترة قصيرة بعد أن كان مكلفًا في الماضي، وأضاف أيضًا أنه يؤمن أن أهم تأثير ستحققه تكنولوجيا الواقع الافتراضي هو جعل العلاج النفسي متاحًا للجميع بغض النظر عن ثروتهم، وذكر أن معاملهم تعمل لتحقيق هذا الهدف بالتعاون مع كثير من المنظمات، فقال على سبيل المثال: إنهم يعملون مع الحكومة الألمانية على تطوير برامج واقع افتراضي لمساعدة اللاجئين السوريين، الذين أصيبوا باضطرابات نفسية خصوصًا الأطفال. وختم كلامه بقول إنهم يسعون لجعل الواقع الافتراضي يسهم في جعل الواقع الحقيقي أفضل.

كيف تعمل تكنولوجيا الواقع الافتراضي؟

الأجهزة المطلوبة لتكنولوجيا الواقع الافتراضي هي حاسب آلي عادي، ملحق به نظارة الواقع الافتراضي ثلاثية الأبعاد، ويقوم المعالج بتحميل برنامج الواقع الافتراضي الخاص بالمريض على الحاسب الآلي وهو برنامج يشبه الألعاب ثلاثية الأبعاد العادية المتاحة الآن في الأسواق، لكن يكون لكل حالة لعبة خاصة بها، فإن كانت الحالة هي جندي مصاب باضطراب ما بعد الصدمة نتيجة معارك عسكرية فتكون اللعبة مصممة لمحاكاة تلك المعارك. وقد أضيف حديثًا لتكنولوجيا الواقع الافتراضي بعض الأجهزة التي تسمح بمحاكاة الروائح أيضًا، فإذا قابل المريض انفجار عبوة ناسفة داخل اللعبة فإن هذه الأجهزة تنتج الرائحة نفسها التي تنتج عن العبوة مما يشعر المريض بأنه بالفعل داخل ساحة المعركة، ومع تكرار ممارسة هذه اللعبة تحت إشراف المتخصصين يبدأ المريض في التغلب على مخاوفة ويشفى من المرض.

علاج بقية الأمراض يعتمد على الفكرة نفسها، ففوبيا العناكب تعالج بمحاكاة العناكب، وفوبيا الخوف من الأماكن الضيقة يعالج بمحاكاة الأماكن الضيقة، وكذلك التوحد والبارانويا وغيرها من الأمراض يمكن أن تعالج بالطريقة نفسها.

تكنولوجيا الواقع الافتراضي ومستقبل الصحة النفسية في بلادنا

من العجيب أننا لم نستطع إيجاد أي مركز متخصص في هذا المجال داخل مصر، رغم ظهوره منذ 25 عامًا في الخارج، لسنا متأكدين على وجه الدقة أنه لا يوجد على الإطلاق من يستخدم تكنولوجيا الواقع الافتراضي كعلاج للأمراض النفسية في مصر، لكننا خلال بحثنا لم نجد أي إعلان أو مقال عن هذا.

رغم أن هناك الكثير من المرضى يقبعون خلف أسوار المستشفيات النفسية لعدم قدرتهم على تكاليف العلاج، وهناك 800 ألف من المصابين بالتوحد في مصر لا يستطيعون الاندماج مع المجتمع رغم أنه يمكن عن طريق الواقع الافتراضي معالجتهم بسهولة.

لكن رغم ذلك تعطينا تكنولوجيا الواقع الافتراضي بارقة أمل، فمع التطور التكنولوجي من المتوقع أن تنتشر هذه التكنولوجيا خلال فترة قصيرة، وسيصبح في إمكان العيادات النفسية الخاصة بل أسر المرضى أنفسهم استخدام هذه التكنولوجيا لعلاج أبنائهم بتكلفه بسيطة مما ينهي معاناة الكثيرين، لكن يظل على كاهلنا رفع الوعي بهذه التكنولوجيا وتطوراتها حتى تصبح معروفة لذوي المرضى ويسهل عليهم الاستفادة منها في أقرب وقت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد