هكذا أصل فلاسفة المدرسة الكلبية لمذهبهم، والكلبية هنا نسبة إلى اسم أحد مؤسسيها وليس من باب التهكم والسخرية، وإن كان لأسلوبهم الذي اتبعوه في التطبيق نصيبًا من الاسم، ذاك هو المذهب الكلبي الذي رام إلى تحقيق السعادة المطلقة في الحياة، بيد أنهم فطنوا إلى استحالة بلوغ شأو مرامهم المزعوم في ظل التواجد داخل محيط حياتي يطالب الإنسان بحقوق ويفرض عليه واجبات، فكان لزاما عليهم التنصل من هذه الحياة بكل صورها التي تقوم بالأساس على مبدأ الحاجة التي تتأجج داخل النفس البشرية فتسخرها تسخيرًا مستميتًا من أجل إشباعها في دورة لا تنتهي إلا بالموت.

الفضيلة سيف يجذ رقاب الحاجات

يقول ميكافيلي «الغايات تبرر الوسائل» انطلاقًا من هذا المذهب الذي يتسق والرغبة الجموح لدى معتنقي المذهب الكلبي لبلوغ السعادة المطلقة، فقد صنعوا من الفضيلة سيوفًا من الاكتفاء تصارع بكل قواها القتالية -في ساح النفس البشرية- الرغبة أو الحاجة. لكنه في حقيقته قتل متفق عليه منذ البدء بين القاتل والمقتول؛ ومن ثم فقد أرسوا مبادءهم الخاصة التي تخدم مصالحهم الروحية المارقة من كل تدنٍ بشري وأبرموا عهودًا بالتطبيق لا بالتدوين؛ فتخلوا عن كل أنواع الزينة في الملبس والمأكل والمشرب، حتى الأموال فقد عزفوا عنها عزوف الناقم النزق؛ فالثروات وفق مذهبهم رأس الشرور، بل العجيب في الأمر أنهم تخلوا طواعية وتركوا كل شيء من متع الحياة حتى سكنوا الصفيح كما الكلاب واقتاتوا على أردئ الأنواع من الأطعمة من أجل بلوغ السعادة المرتجاة في التماهي مع الطبيعة وحسب! ولكن يبقى السؤال حاضرًا بذهني أتراهم قد بلغوها حقيقة واستقرت بدواخلهم في ظل تياك الحالة الشوهاء التي عاش بها بعضهم حتى مات؟!

«بعض المفاهيم ما إن صُدِحَ بها انتقصت قيمتها، والفضيلة مفهوما سلوكيًا وحياتيًا قبل أن تكون قيمة قيمية لا تقبل المجاهرة على نفسها».

المفاهيم تعرف بالتطبيق والامتثال لمضامينها بفعال حقيقية تكون هي اللسان المتحدث باسمها، ومن ثم فإنه ومن خلال التجارب الذاتية في التعاملات الحياتية نجد أن أكثر الناس حديثًا عن الفضيلة هم أكثر الناس جنوحًا عنها ولكنك في ذات الوقت لا تستطيع أن تنفي احتياجهم لها رغم انتفاء فعلهم؛ فالموازنة بين الحال والمتمنى لا تكفيه عدسة واحدة لرصده!

مع البعض قد يتحول السعي الحثيث للحديث عن الفضيلة إلى طقس يومي لا بد من ممارسته ليس من أجل الممارسة وفقط بل أحيانًا لتمرين عضلات الألسنة الصامتة منذ ساعات، هذا السلوك الذي قد انبثق  من رغبتهم في مداراة اعوجاجهم القيمي وانفلاتهم الأخلاقي، ومن ثم تلح عليهم الرغبة الجموح في امتطاء جواد الفضيلة الأصيل أصله ومرتعه، لربما يضفي عليهم شيئًا من هيبة مصطنعة، تُمَكِنهم من الحصول على تقدير باذخ من الآخرين ومن ثم انتشاء النفس بالحفاوة المغشوشة هاته وهنا تتجلى السعادة -التي يدعون بأنهم على موعد دائم معها- بأزيف صورها.

«ما بين كلابية واقعية وافتراضية تتماوج الفضيلة في السماء الزرقاء كيما تلفت الأنظار إلى ميلاد حياة تحمل اسمها».

إن بتبعية الحديث عن المجاهرة فخير مثال يمكن التمثيل به هو هذا العالم الأزرق الذي يتزين كل هنيهة بتاج الفضيلة، فكلنا فيه لا نكذب ولا نخون، كلنا رسل الله الأمناء في أرضه، هاته السلوكيات الفاضلة تضعني في حيرة أمام نفسي المتسائلة إن كل هؤلاء فضلاء إذن من الكاذب ومن الخائن ومن الظالم ومن ومن؟! لا بأس كلنا فضلاء ولدنا من رحم الفضيلة وأنجبناها ثانية وثالثة وعاشرة وإلى ما لانهاية من الكذب والخداع، إن هذه الصفات السيئة لا تمت لحياتنا الزرقاء التي أحلناها بفضل مثاليتها وفضيلتها إلى الحياة الأم التي نعيشها ونعايشها، وما عداها هو مجر وقت عابر نقضيه بقبحه وسوئه منتظرين السعادة على أعتاب الزرقة كيما نستكمل المسير.

هل يمكننا القول بأن عمامة المثالية المنمقة التي تمسك بمسبحة الفضيلة في يديها، مطأطأة الرأس في كل مكان ترده حتى وإن كان الخلاء، لا تفتأ أن تترك صورة ذهنية عن صاحب العمامة إلا  أنه يعاني خللًا نفسيًا؟!

إن الكمال الذي تنشده النفس بإدعاء المثالية في كل شيء على مدار حياتها الإنسانية ظنًا منها بأن ذلك يمكنها بلوغ شأو السعادة، ما هو إلا خلل نفسي قد اعتراها حين رفضت التسليم بطبيعتها التناقضية، لا توجد قوالب بشرية حتى تلك التي يحاولون تشكيلها بأدوات الرأي العام ووسائل الإعلام لن تتقولب بالصورة المبتغاة ولن تستمر على المدى البعيد، وذلك لأنها الطبيعة النفسية للبشر فتارة يخطؤن وتارة يصيبون وتظل البشرية جمعاء بين الصواب والخطأ تتأرجح حتى تُغلب أحدهما على الآخر دون نفيه يالكلية، فالخير كامن في الشر ينتظر يدًا تستخلصه منه، والشر لا يموت بانتزاع الخير منه، وإن كان هذا لا يمنع اليد من احتكار الخير لأطول وقت ممكن لأجل الشعور بالإنجاز.

أيمكن للفضيلة أن تكون عروسًا منتقاة بعناية للبغي؟

نعم، نحن لا نعاصر هاته الزيجات ونعايشها وحسب بل ونبارك لأنفسنا عليها، والمثير للضحك الباكي إن هذا الزواج الذي تباركه أيادي المطغى عليهم لهو من أكثر الزيجات الفاشية ديمومة واستقرارًا في هذا العالم، وداومها لا يقوم على شدة وعنفوان سوط سلطتها وهو يجلد الظهر بل على ترانيم الفضيلة المصاحبة لعمليات الجلد، فتؤيده وتقول له هل من مزيد؟ ولم لا وهي تسعى بكل ما أوتيت من فضلاء أن تقنعنك بأن قتلك واستنزافك وسجنك لأجلك أنت لا أجل توطيد ركائزها السلوطية،  لأجل تطهيرك من دنس الدنيا التي علقت بقلبك أيها المواطن العاق، قاصر الفهم؛ لتمضي بنا الأزمنة وقد أنجبت لنا هاته الزيجات أنظمة أكثر فاشية فلا هلاك يطالها إلا إذا قضى الله أمره فيها، وشعوبًا بلهاء أكثر خنوعًا لا تمتلك نذر دفاع أو مقاومة.

الفضيلة لا تفنى ولا تُستجلى من العدم

إن الفضيلة فكرة بجانب كونها مفهومًا وقيمة، والأفكار لا تموت بموت الشخوص، فهي متواجدة في الأذهان تتوارثها الأجيال بغض النظر عن مدى إلمامهم بها باعتبارها جزءًا متأصلًا في النفس البشرية، وبغض النظر أيضًا عن المنتوج السلوكي الذي يطرأ على معاملاتهم إثر إدراكهم لها،  وعلى الرغم من كونها فكرة راسخة إلا أن انتهاجها لا بد له من دوافع حتى وإن كان الدافع ليس فيه من النبل مثقال ذرة كما تفعل السلطات كما ذكرت فيما سبق لأجل توطيد حكمها، وكما تفعل العاهرات حين يحتسين كؤوس الفضيلة المزيفة التي تفرضها عليهم الأداور التمثيلية في حانات البلاتو وقت التصوير، إلا أنه لا بد من لها من دافع يحركنا نحوها ويجليها على سلوكياتنا بوصفنا شخوصًا وإلا فلا نُحدث أحدًا عنها.

«ما بين الألم والسعادة تشق الفضيلة لنفسها بكل مشتملاتها دربًا يكون خاصتها».

يقول الرافعي «لا يستروح هذا الإنسان من ألمه إلا وقد أكسبه الألم فضل الإنسانية وبر الفضيلة وصحة الإيمان وقوة النفس».

بالمقارنة بين قول الرافعي عن الفضيلة نتاجًا وبين قول الفلاسفة الكلاب عن الفضيلة باعتبارها وسيلة لبلوغ غاية أخرى  مسافات من الفهم والإدراك، فالرافعي جعل السعادة مستترة في الغاية ألا وهي الفضيلة التي وفق رؤاه تصلح لتقلد الدورين معًا الغاية والوسيلة، أما الفلاسفة الكلاب فقد كان الهدف هو بلوغ السعادة التي وسيلتهم فيها الفضيلة، حتى وإن كانت الفضيلة هذه تعني العدم وقتل النفس المفطورة على التوق والحاجة وإلزامها بالسير عكس طبيعة خلقتها وجبلها على السير في درب واحد يحفه التقشف البغيض من كل جانب.

الفضيلة هي الطريق الأوحد للسعادة

أعاود تفحص هذا المبدأ -الذي قامت عليه المدرسة الكلبية ثانية- وفق رؤية مستوحاة مما سلف ذكره من صور تعددت حول مفهومي الفضيلة والسعادة فأعقب عليها بأنها جملة حق أريد بها باطلا؛ فلا هذه هي الفضيلة الحقة التي يجب على النفس استجلاء معانيها واعتناق مذهبها، ولا هاته السعادة هي السعادة المرامة للنفس البشرية، فماهذا إلا قتل بالبطيء للنفس البشرية التي كرمها الله ونزهها حين سواها وألهمها التقوى والفجور وترك لها فرصة الاختيار.

الفضيلة كالدين لا إكراه فيها

والآن نستطيع أن نقول بملء الفم، الفضيلة كالدين لا إكراه فيها، لا إكراه للنفس عليها فقد تبين مبتغاها وطرائقها المتعدة ومراماتها العظيمة، وللنفس حق الاختيار فيما بين كل ذلك كيما لا تلفظها مع أول سأم ينتابها، وشهوة تعتريها، وتحرر يلوح لها في الأفق ومن ثم السقوط في وحل النقيض دون قيامة أخرى تعيد للنفس اتزانها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات