إذا كانت الشريعة جاءت لتدعو الناس إلى الفضيلة فإن الفضيلة وسبل اقتنائها مبحث من مباحث الفلسفة أيضًا، وهي مما يدعو إليه الحكماء، ويوجهون الناس إلى اقتنائها، كما أن الشريعة توجب على الناس فعل الفضائل واكتسابها، ويعرف أرسطو الفضيلة بأنها: “استعداد ما بإزاء الانفعالات ناشئ من نمو قوة بالمران، وبيانه أن كل فعل إنما تسبقه قوة من نوعه، والفضيلة قوة الفعل الخلقي ولكنها ليست مجرد قوة وليست انفعالًا مؤقتًا كالغضب أو الشفقة، وإنما هي استعداد أو ملكة أو حال مكتسبة بالمران وموقف دائم بإزاء الشهوات من حيث أن التكرار يولد طبيعة ثانية”[1].

فــ”ليست الفضيلة طبيعية وإنما الطبيعي فينا قوى واستعدادات، وتكتسب الفضيلة بمعاونة الطبيعة أي بطبعها على حالات معينة، فالفضيلة تتعلم كما يتعلم أي فن بإتيان أفعال مطابقة لكمال ذلك الفن، وتفقد الفضيلة بإتيان أفعال مضادة”[2] وهي الرذائل، ولذلك الحكماء يوجبون على الناس اتباع الشريعة إذا كانت في الأصل تدعو إلى الفضائل و”لأن المشي على الفضائل الشرعية هو ضروري عندهم، ليس في وجود الإنسان بما هو إنسان بل وبما هو إنسان عالم. ولذلك يجب على كل إنسان أن يسلم مبادئ الشريعة، وأن يقلد فيها، ولا بد، الواضعَ لها”[3].

وأيضا فإن “الشرائع مبادئ الفضائل… فإذا نشأ الإنسان على الفضائل الشرعية كان فاضلا بإطلاق”[4]، ثم إن “القوم (الفلاسفة) يظهر من أمرهم أنهم أشد الناس تعظيما لها (الشرائع)، وإيمانا بها. والسبب في ذلك أنهم يرون أنها تنحو نحو تدبير الناس الذي به وجود الإنسان، بما هو إنسان. وبلوغه سعادته الخاصة به. وذلك أنها ضرورية في وجود الفضائل الخلقية للإنسان، والفضائل النظرية والصنائع العملية. وذلك أنهم يرون أن الإنسان لا حياة له في هذه الدار إلا بالصنائع العملية. ولا حياة له في هذه الدار ولا في الدار الآخرة إلا بالفضائل النظرية. وأنه ولا واحد من هذين يتم ولا يبلغ إلا بالفضائل الخلقية…

والفضائل الخلقية لا تتمكن إلا بمعرفة الله تعالى وتعظيمه بالعبادات المشروعة لهم، في ملة ملة، مثل القرابين والصلوات والأدعية، وما يشبه ذلك من الأقاويل، التي تقال في الثناء على الله تعالى وعلى الملائكة والنبيئين. ويرون بالجملة أن الشرائع هي الصنائع الضرورية المدنية التي تأخذ مبادئها من العقل والشرع – ولا سيما ما كان منها عاما لجميع الشرائع – وإن اختلفت في ذلك بالأقل والأكثر… وللوصول إلى هذه الفضائل بعد النظر لا بد من تحقيق العمل… والجميع متفقون على أن مبادئ العمل يجب أن تؤخذ تقليدا، إذ كان لا سبيل إلى البرهان على وجوب العمل، إلا بوجوب الفضائل الحاصلة عن الأعمال الخلقية والعملية”[5].

ولذلك “فقد تبين من هذا القول: أن الحكماء بأجمعهم يرون في الشرائع هذا الرأي، أعني: أن يتقلد (الإنسان) من الأنبياء والواضعين مبادئ العمل والسنن المشروعة، في ملة ملة. والممدوح عندهم من هذه المبادئ الضرورية هو ما كان منها أحث للجمهور على الأعمال الفاضلة، حتى يكون الناشئون عليها أتم فضيلة من الناشئين على غيرها، مثل كون الصلوات عندنا: فإنه لا يشك في أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر،كما قال تعالى.

وأن الصلاة الموضوعة في هذه الشريعة يوجد فيها هذا الفعل أتم منه في سائر الصلوات الموضوعة في سائر الشرائع، وذلك بما شرط في عددها وأوقاتها وأذكارها، وسائر ما شرط فيها من الطهارة، ومن التروك، أعني ترك الأفعال والأقوال المفسدة لها”[6] ولذلك الفلاسفة يؤمنون بالمعاد وهو موجب للفضيلة لأنه ينبئ بوقوع إما السعادة وإما الشقاء مما يجعل الناس في حذر فيعملون بالفضيلة ليحصلوا على سعادتهم في الآخرة، وذلك أن “الأمر فيما قيل في المعاد فيها (الشريعة) هو أحث على الأعمال الفاضلة مما قيل في غيرها”[7].

لقد قسم ابن رشد الفضيلة حسب تقسيم الفلاسفة لها، وهي أربع: فضيلة العفة وفضيلة العدل وفضيلة الشجاعة وفضيلة السخاء. ويريد ابن رشد بذلك أن يؤكد على أن كل السنن الكونية قائمة على تحقيق هذه الفضائل، وأن حصول الفضائل في المجتمع لا يكون إلا بالأخلاق الحميدة، فإن صلاح المجتمع في حسن الأخلاق وجمال الأفعال، وفساده في سوء الأخلاق وقبح الأفعال، وذلك “أن الناس لا يتم وجودهم إلا بالاجتماع والاجتماع لا يمكن إلا بالفضيلة فأخذهم بالفضائل أمر ضروري لجمعهم”[8].

هذا “ولما كانت النفس الناطقة جزأين: جزء عملي وجزء علمي، وجب أن يكون المطلوب الأول منه هو أن يوجد على كماله في هاتين القوتين. أعني الفضائل العملية والفضائل النظرية. وأن تكون الأفعال التي تُكسِب النفس هاتين الفضيلتين هي الخيرات والحسنات، والتي تعوقها هي الشرور والسيئات”[9]، وكذلك “لما كان تقريرُ هذه الأفعال أكثرُ ذلك بالوحي، وردت الشرائع بتقريرها، ووردت مع ذلك بتعريفها والحث عليها. فأمرت بالفضائل، ونهت عن الرذائل، وعرَّفت بالمقدار الذي فيه سعادة جميع الناس في العلم والعمل، أعني: السعادة المشتركة”[10]، و”عرَّفت من الأمور النظرية ما لا بد لجميع الناس من معرفته، وهي: معرفة الله تبارك وتعالى ومعرفة الملائكة ومعرفة الموجودات الشريفة ومعرفة السعادة.

وكذلك عرَّفت من الأعمال القدرَ الذي تكون به النفوس فاضلة بالفضائل العملية. وبخاصة شريعتنا هذه، فإنه إذا قويست بسائر الشرائع وُجد أنها الشريعة الكاملة بإطلاق. ولذلك كانت خاتمة الشرائع”[11]، وكان اليونانيون يحثون في أشعارهم على الفضائل “فلم يكونوا يقولون أكثر ذلك شعرا إلا وهو موجه نحو الحث على الفضيلة أو الكف عن الرذيلة أو ما يفيد أدبًا من الآداب أو معرفة من المعارف”[12]، وكذلك عن طريق المحاكات “إذا كان ذكر الفضائل مفردة لا يوقع في النفس خوفا من فواتها ولا رحمة ومحبة، فواجب على من يريد أن يحث على الفضائل أن يجعل جزءًا من محاكاته للأشياء التي تبعث الحزن والخوف والرحمة”[13].

ومن هنا نستنتج أن الفنون والآداب يمكن أن تكون خادمة للفضيلة وكذلك العكس تكون هذه دافعة إلى الرذيلة مثل ما نراه من أنواع الفنون والآداب في بلادنا العربية والإسلامية، والصواب تسخير الفن والآداب للفضيلة لا للرذيلة.

يقول ابن رشد: “قال (أريسطو): والاستدلال الفاضل والإدارة إنما تكون للأفعال الإرادية. وأكثر ما يوجد هذا النوع من الاستدلال في الكتاب العزيز – أعني في مدح الأفعال الفاضلة وذم الأفعال غير الفاضلة – وهو قليل في أشعار العرب. ومثال الإدارة في المدح قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾[سورة إبراهيم، الآية:24]. إلى قوله: ﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾[سورة إبراهيم، الآية: 26]. ومثال الاستدلال قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾[سورة البقرة، الآية: 261].

ولكون أشعار العرب خالية من مدائح الأفعال الفاضلة وذم النقائص أنحى الكتاب العزيز عليهم واستثنى منهم من ضرب قوله إلى هذا الجنس”[14]، و”ينبغي أن تعرف قبل هذا أن ما يكفي في وصفها بالقول لا يكفي لإخراجها إلى الفعل في المدن وعند الأمم، إذ لا بد من قوة العقل”[15]، فيسوس الإنسان مجتمعه حتى يصل إلى الكمالات، “والكمالات ثلاثة: فضائل نظرية وفضائل خلقية وصنائع عملية”[16]، وهذا ما تقرره الشريعة أيضا إذ “السنن المشروعة العملية المقصود منها هو الفضائل النفسانية، فمنها ما يرجع إلى تعظيم من يجب تعظيمه وشكر من يجب شكره، وفي هذا الجنس تدخل العبادات. وهذه هي السنن الكرامية، ومنها ما يرجع إلى الفضيلة التي تسمى عفة وهذه صنفان:

السنن الواردة في المطعم والمشرب، والسنن الواردة في المناكح، ومنها ما يرجع إلى طلب العدل والكف عن الجور. فهذه هي أجناس السنن التي تقتضي العدل في الأموال، والتي تقتضي العدل في الأبدان، وفي هذا الجنس يدخل القصاص والحروب والعقوبات. لأن هذه كلها إنما يطلب بها العدل، ومنها السنن الواردة في الأعراض، ومنها السنن الواردة في جميع الأموال وتقويمها، وهي التي يقصد بها طلب الفضيلة التي تسمى السخاء، وتجنب الرذيلة التي تسمى البخل… ومنها سنن واردة في الاجتماع الذي هو شرط في حياة الإنسان وحفظ فضائله العلمية والعملية، وهي المعبر عنها بالرياسة، ولذلك لزم أيضًا أن تكون سنن الأئمة والقوام بالدين.

ومن السنة المهمة في حين الاجتماع السنن الواردة في المحبة والبغضة والتعاون على إقامة هذه السنن، وهو الذي يسمى: النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، وهي المحبة والبغضة: أي الدينية التي تكون إما من قِبل الإخلال بهذه السنن، وإما من قبل سوء المعتقد في الشريعة.

وأكثر ما يذكر الفقهاء في الجوامع من كتبهم ما شذ عن الأجناس الأربعة التي هي فضيلة العفة وفضيلة العدل وفضيلة الشجاعة وفضيلة السخاء، والعبادة التي هي كالشروط في تثبيت هذه الفضائل”[17]، فهذه جملة الفضائل الواردة في الشريعة وقد قسمها ابن رشد حسب تقسيم الحكماء للفضيلة التي هي: فضيلة العفة وفضيلة العدل وفضيلة الشجاعة وفضيلة السخاء. وقد أوجبت الشريعة العلم بها ليتبعه العمل وذلك من أجل سعادة الدنيا والآخرة، فالفضيلة إذن طريق السعادة.

_________________________________________________________________________________________________

1 تاريخ الفلسفة اليونانية، ص: 248.

2المصدر نفسه، ص: 246.

3 تهافت التهافت، ص:510.

4 تهافت التهافت، ص: 511.

5 المصدر نفسه، ص: 554- 556.

6 المصدر نفسه، ص: 556- 557.

7 المصدر نفسه، ص: 557.

8 المصدر نفسه، ص: 43.

9 الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 200.

10 المصدر نفسه، ص: 200.

11 المصدر نفسه، ص: 201.

12 تلخيص كتاب الشعر، ابن رشد، مركز تحقيق التراث، 1987،  ص: 61.

13 المصدر نفسه، ص: 85.

14 المصدر نفسه، ص: 100- 101.

15 الضروري في السياسة، ص: 79.

16 المصدر نفسه، ص: 147.

17 بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ص: 2320- 2321.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفضيلة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد