أي شابّ عربيّ يتذكّر الوضع السياسيّ في السنوات القليلة التي سبقت انطلاق الثورات العربية في نهاية 2010/ بداية 2011 سيتّفق معي على أنها كانت سنوات الإحباط العظيم. فقد سبقتها الحرب على غزّة في نهاية 2008 التي ترافقت مع موقف عربيّ مخزٍ من الأنظمة السياسيّة، بالإضافة إلى صمت دوليّ مطبق على الجريمة التي رآها العالم أجمع على المباشر، بالإضافة إلى ذلك، كان الإحباط على المستوى السياسيّ قد بلغ أشدّه في بلدي الجزائر، ففي سنة 2008، قاد الرئيس بوتفليقة مسرحيّة هزليّة رديئة عدّل خلالها الدستور الذي كان ينصّ على تحديد العهدات الرئاسيّة بعُهدتين فقط إلى عدد مفتوح للعهدات، وسط صمت مطبق من الطبقة السياسيّة وحساسيّات المجتمع المدنيّ، وانعدام أي شكل من أشكال المعارضة، لقد كان العرض الكوميديّ الوحيد في العالم الذي تشاهده فتبكي بدلًا عن أن تضحك.

الموقف الآخر الذي جعل الإحباطَ عنوان مرحلة ما قبل ثورات الربيع العربيّ هو المباراة الشهيرة بين الجزائر ومصر، وكل ذلك الفجور في الخصومة التي اتّسم به إعلام الطرفين، حتى راح ضحيّة تلك المشاحنات التافهة قطاعات واسعة من الشعوب العربيّة التي رأت نفسها «مرغمة» على الاصطفاف في هذه الحرب التي تذكّرك بحروب الجاهليّة (إياها)، لكن وسط كل هذا السباب والشتائم المتبادلة والتحريض على القتل بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد والمصير الواحد؛ كان صوت خافت يتردد في أذهان عدد قليل من شباب العالم العربيّ، اكتشفنا فيما بعد بأنهم ليسوا قليلين أبدًا: إني بريء من كلّ هذا العبث، أو كما قال تعالى: إني بريء مما تعملون.

لكن لنكن عقلانيين؛ فالأحداث المؤسفة، والحروب والمصائب تحدث في كل أنحاء العالم، فما الذي جعل وطأتها على النفوس أشدّ في تلك السنوات؟ إنّه الشعور بالوحدة، وحدة فكريّة وغربة نفسيّة، الشعور بأنّك ترفض هذا العبث كلّه؛ لكنك ترفضه وحدك، وسط حشود مليونيّة من المنغمسين فيه، المؤمنين حدّ النخاع بالدعاية الحكوميّة، الأعداد الغفيرة التي تُملي عليها السلطة من ينبغي أن تحبّ وتكره ومن تصادق أو تُعادي، والفئات الكبيرة التي تؤمن أن ختم الوطنيّة والخيانة تحتكره السلطة وحدها، لكن كل هذا كان سيتغيّر بعد أن دخل لاعب جديد في الساحة، إنه الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعيّ، والمدوّنات، وغيرها من الوسائط الحديثة.

لقد أصبحت هذه الوسائل الحديثة نافذة الكثيرين نحو فضاء إلكتروني يسمح لهم بالالتقاء بمن يشاركونهم هذه الوِحدة والاغتراب، فخفّف عنهم ذلك الكثير من وطأة سنوات الإحباط الكبير، وأيقن الكثير منهم «أنّنا لسنا قليلين أبدًا»، فقط لم نكن نعرف بعضنا بعضًا، ولم تتح وسيلة للتواصل والتنسيق فيما بيننا كما يحدث الآن.

أجزم أن أحجار (الدومينو) التي سقطت بشكل متسارع أدهشت العالم في سنة 2011، كانت بدايتها قبلها بسنوات حين انتشرت شبكة الإنترنت عند عدد أوسع من الناس، فسمح بذلك للنشطاء بالتعارف والتواصل والحديث في القضايا المختلفة التي تهمّ الشباب آنذاك، سواء في المنتديات أو في المدوّنات، ثم تويتر، وفيسبوك.

لم أكن أعرف أي شخص من مصر على وجه التحديد، ولم يربطني بهذا البلد أيّ اهتمام خاصّ بأيّ شكل من الأشكال، كل ما كنت أعرفه عنه هو أنه يملك كتّابًا كبارًا استفدت منهم،  بالإضافة إلى مجموعة محدودة من المدوّنين غير المعروفين الذين كنت أقرأ لهم قبل 2011 خلال موجة انتشار المدوّنات.

اندلعت ثورة تونس بشكل مفاجئ وصادم، وتوقّعت أن تكون كغيرها من الاحتجاجات التي سريعًا ما تنطفئ، وتابعتها بالخصوص على موقع تويتر آنذاك؛ لأن أغلب وسائل الإعلام العربيّة لم تعر هذا البلد الذي لا يحضر كثيرًا في نشرات الأخبار، ولم تسمع الشعوب العربيّة عن حجم القمع الممارس عليه من قبل.

كان وسم #sidiBouzid على تويتر هو نافذتي على ما يحدث فعلًا، إذ كان الناشطون التونسيون يتنقّلون إلى المدن المختلفة لينقلوا للعالم حقيقة الأوضاع المتصاعدة هناك، وسرعان ما اكتشفت أنها ثورة شعب بأكلمه، لا مجرّد احتجاجات محدودة، سألت والدي حينها «ما هو المطلب النهائي لكلّ هذه الجموع؟ ففي النهاية لنكن واقعيين، لن يستقيل الرئيس مثلًا!»

مباشرة بعد سقوط بن علي في تونس، بدأ النشطاء المصريون يتحدّثون في وسائل التواصل الاجتماعيّ عن تكرار التجربة التونسية في مصر، بينما كان يجمع المحلّلون و«الخبراء الاستراتيجيون» الذين تستضيفهم القنوات على أن «مصر ليست تونس».

لم أتابع تلك النقاشات عن قرب، لكنني أتذكّر حين أعلن وائل غنيم على تويتر أن يوم الخامس والعشرين من يناير سيكون بداية الاحتجاج، تابعت بداية الاحتجاجات بشكل متقطّع؛ لأن التغطية لم تكن كثيفة من جهة، كما أن يوم الخامس والعشرين لم يشهد توافد أعداد ضخمة كما حدث في جمعة الغضب بعدها بثلاثة أيّام.

تجمّع الناس في ميدان التحرير هاتفين «للعيش والحرية والعدالة الاجتماعية» كان من أعظم المشاهد التي رأيتها في حياتي، وقد تخيّلته مشهدًا من مشاهد ثورة نوفمبر المباركة التي طالما تمنيّت أن أعيش ولو لحظة منها، وهو جزء من الحلم يتحقّق.

لقد مثّل ميدان التحرير «عالمي الموازي» الذي أهرب إليه ولا أحدّث أحدًا عنه، فلن تجد في ذلك السن من يهتم بالسياسة عمومًا، ناهيك عن سياسة تقع على بعد آلاف الكيلومترات من بلده. ميدان التحرير كان تجسيدًا للمدينة الفاضلة التي نسعى جميعنا لتحقيقها على أرضنا يومًا، المدينة التي يقتسم فيها الغنيّ والفقير قطعة خُبز، ويؤثر فيها الواحد أخاه على نفسه فيهديه رداءه أو وشاحه حتى لا يبرد، مدينة يحرس فيها المسيحي المسلم أثناء صلاته. برهنت ثورة مصر، ولو على مدار أيام معدودات، أن هذه اليوتوبيا الخياليّة، ليست خياليّة لتلك الدرجة.

لا أنكر أنه مرّ عليّ يوم أو يومان صدّقت فيه تمامًا أن هذا المنظر الأسطوري الذي يحدث في ميدان التحرير هو مؤامرة صهيو-أمريكيّة أو قوى خفيّة غير معروفة أخرى؛ ليس لأنّني شكّكت في وطنيّة الموجودين هناك، بل على العكس تمامًا؛ لقد كان حجم الفرحة أكبر من أن أستطيع استيعابه، لذلك لجأت إلى التفسيرات الأخرى، لا بد أن هنالك خطأ ما في كل هذا، كأن تحصل في الامتحان على نتيجة أكبر مما تستحقها، فتلجأ إلى تفسير ذلك بأن هذا ليس إنجازك، وإنما هو خطأ الأستاذ المصحّح!

عندما خرج عمر سليمان ليعلن ما كان يعلمه كلّ من في الميدان؛ صرخت «الله أكبر!»، وخرجت أجري إلى الشارع، كنت أظن في مخيّلتي أن هناك مسيرة ما ستندلع فرحًا تحت بيتي، أو أن الجميع متسمّرون أمام تلفازهم يتابعون أخبار الميدان مثلي، لكني وجدت الدنيا تسير كأن لا شيء حدث أصلًا، وجدت شخصًا أعرفه جالسًا عند ناصية، وبشكل لا إرادي قلت له بانفعال بادٍ في وجهي لا استطيع حبسه، قلت له: «مبارك سقط»، فأجابني: «شكون مبارك؟» (من مبارك).

الكثير من شباب مصر يرون أن الثورة قد ماتت للأبد، ويتأسفون على تلك الفرصة الثمينة الضائعة، ويمكن بكلّ تأكيد تفهّم هذه الانطباع بعد كل الدم الذي سال في الشارع ومع آلاف المعتقلين في سجون الاستبداد، لكن يبقى من المهم توثيق تلك الأيام والحديث عنها وتلاوة قصصها ويوميّاتها، كما ينبغي تذكير الجميع بحجم التأثير العالمي الذي تجاوز حدود مصر، حتى تبقى روحها حاضرة في أذهان الأجيال القادمة، ليس من أجل إعادة إنتاجها مستقبلًا فحسب، ولكن من أجل الذاكرة، وعلى الخصوص من أجل الشهداء الذين سقطوا في تلك الأيام المباركة وما بعدها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد