سلوك الأنظمة التي تتبنى الرأسمالية المنبثقة عن العلمانية التي تعني فصل الدين عن الحياة، تجاه الأزمات
ما سأتحدث عنه هو سلوك هذه الأنظمة التي تتبنى الرأسمالية المنبثقة عن العلمانية التي تعني «فصل الدين عن الحياة».
فنظرة سريعة على ما حصل خلال الأيام القليلة الماضية وما قامت به الدول بإعلانها عن حالة الطوارئ؛ ليصل الأمر إلى إغلاق مشروعات صغيرة وكبيرة، ومؤسسات كاملة ومنها التعليم في الجامعات والمدارس، وشمل في بعض البلاد إغلاق وزارات وتأجيل اجتماعات وإغلاق المعابر.. وآخرها إغلاق الأماكن الدينية.

فيما أعلنت بعض الدول عن خسائر مالية وبشرية ناتجة عن هذا الوباء الذي ضرب البلاد ومصدره الصين وبخاصة مدينة ووهان التي خرج الفيروس منها.. ونوعية هذا الفيروس يتفشى بطريقة كبيرة إن لم يتم السيطرة على الحالات التي تظهر في المنطقة التي يتم الإعلان عن حالات فيها.. فهو خطير لسرعة تفشيه.

فهذا الفيروس يتحدى البشرية بكافة عقائدها ولا يفرق بين أحد؛ حتى وصل الأمر اليوم إلى أن يدعو ترامب للصلاة غدًا وكتب عبر مواقع التواصل الاجتماعي «إنه لشرف عظيم لي أن أعلن يوم الأحد 15 مارس يومًا وطنيًا للصلاة. نحن بلد، طوال تاريخنا، نتطلع إلى الرب للحماية والقوة في مثل هذه الأوقات».

وهنا كسر حاجز العلمانية، ولجأ ويدعو للجوء إلى عكس ما دعت له العلمانية، بأن (لا دخل للدين بالحكم)، والآن النظام الحاكم يدعو لما حاربه عبر العقود الماضية، ويحارب كل من يدعو لذلك ويصفونه بالإرهابي.. تلك الدول بنظامها العالمي القائم، والذي يحتم على الدول المستعمَرة التي تنهب ثرواتها وخيرتها أن تلتزم بقوانينها وبتطبيق نظامها.. تؤكد أنها لم تلق للبشرية أدنى نظرة إنسانية، بل تنظر للبشرية بعين المادة، وأنها تدر عليها الأموال.. والآن تطلب منهم اللجوء إلى دينهم والدعاء والصلاة؟ لماذا لا يتبجح أمام هذا الفيروس؟

وهذا ما يؤكد فشل وفساد هذه الأنظمة في عدم الثقة بالمبادئ التي تعتمدها في الحكم وأنها تغير وتميع ما تريد وحسب وجهة نظرها.. وليس هذا ما نريد الوصول إليه، بالرغم من أهمية الحديث عنه والتطرق له لنؤكد كذب وخداع هذه الأنظمة للبشرية جمعاء وبخاصة شعوبها.

أما الحقيقة التي نريد أن نتحدث عنها هو سبب دخول الناس في حالة من التخبط والهلع.. ما كان إلا لعدم ثقة الناس بالأنظمة التي تحكمها لأنها أنظمة جباية لا رعاية حتى وصل الأمر أن يقول البعض إنها مؤامرة لتحقيق مصالح.. بالرغم من أنها ربما التصريحات الوحيدة التي أصابت فيها هي هذه الحالة التي تخص وباء «كورونا».. ولكن تعامل الناس مع الأمر بيّن أنه لم يكن خارج من قادة فعليين، لفقد ثقة البشرية بهم ولمواقفهم المخزية التي دمرت البشرية جمعاء وقتلت من شعوبها والشعوب الأخرى لتبقي على مصالحها.. وحالة إعلان الطوارئ تؤكد فساد هذه الأنظمة في عدم قدرتها على استيعاب المصابين وبعض الدول في عدم قدرتها على التعامل مع الحالات، فتجد الحل الصحيح هو الحجر… وهذا عائد لعدم وجود عدد كافي من الطواقم الطبية وعدم الإنفاق الجدي على هذا الجانب.. بينما تنفق على الأمن والجيوش والأسلحة والذخائر.. المليارات! على حساب هذه الجوانب.. مع تقدمها العلمي والتكنولوجي، إلا أنها تقف عاجزة أمام رعاية البشرية والاهتمام بهم وحسب الحساب لمعالجة مثل هذه الأوبئة.

ومن جانب الشعوب رأينا الكثير من الفيديوهات توضح حقيقة الثقافة الغربية، وهذه الفيديوهات صورت لنا مشاهد الكثير من الأفراد المصابين أو من يحملون هذا الفيروس ليضروا غيرهم في المرافق العامة، والبعض لا يخضع ويهرب من الحجر الصحي.

أما عندنا نحن كمسلمين فثقافتنا الإسلامية علمتنا الكثير من الذي يحتاج الغرب إلى مئات السنين ليصل إلى ما نحمله بداهة كمسلمين؛ لأننا نلتزم الأحكام الشرعية، ونخاف الله، وإن لم يكن الإسلام مطبق في جهة الحكم، ونحن ساعون لإيجاده.

وهنا أذكر موقفًا تعامل معه أحد خلفاء الأمة الإسلامية في العصر العباسي.. «سنة 478هـ كثرت الأمراض بالحمى والطاعون بالعراق، والحجاز، والشام، وماتت الوحوش في البراري، ثم تلاها موت البهائم، وهاجت ريح سوداء، وتساقطت الأشجار، ووقعت الصواعق؛ ثم أمر الخليفة المقتدي بأمر الله بتجديد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكسر آلات الملاهي، ثم انجلى ذلك».
البداية والنهاية. ابن كثير 93/16.
وقيل: «وتركُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سببٌ لعقوبة الدنيا قبل الآخرة، فلا يَظُّنَّ الظانُّ أنها تُصيبُ الظالمَ الفاعل للمعصية دونَه مع سكوته عن الأمر بالمعروف والنهي، بل تعمُّ الجميع». جامع المسائل. ابن تيمية 381/3. وتحدث في هذا الكثير وخصص له أبوابًا كثيرة لا نستطيع حصرها هنا.

أقول تنويهًا: لا يعني هذا الأمر أن دولة الخلافة القادمة التي ترعى شؤون البشرية كما في عهد الراشدين، وهو النظام الذي تحتاجه البشرية، والذي هو ما بشرنا به رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه وما وعدنا به الله جل في علاه.. والذي يعمل له العاملون لفرضية الأخذ بالأسباب في كل جوانب الحياة والمطالبة بالعمل مع حسن التوكل على الله والتزام أوامره واجتناب نواهيه فهذه ثقافتنا في كل جوانب حياتنا التي نستمد سيرنا بها من خلال الوحي من كتاب الله وسنة رسوله الكريم.. ولن نضل إن تمسكنا بهما، ولن يصيبنا إلا ما كتبه الله علينا، ونفر من قدر إلى قدر الله.. ونستمر في سعينا لإنهاض الأمة الإسلامية لإرجاع عزتها المتمثلة بتطبيق شرع الله في ظل نظام حكم يرضى الله عنه ورسوله والمؤمنون لينقذوا البشرية جمعاء من ضيق الرأسمالية إلى عدل الإسلام ورحمته.

لا يعني هذا إذا جاءت دولة الخلافة أنها لن تعاني من مثل هذه الأزمات، ولكن بعدما تكون قد اتخذت كافة الأسباب والأساليب الممكنة لرعاية البشرية ويكون مفهوم قيامها رعاية البشرية ستستطيع التعامل مع هذه الأزمات واحتوائها،
وليس ببث الذعر والرعب والهلع في نفوس البشرية.

وأهمها ما تحدثنا عنه هي ثقة الأمة بالقيادة الحكيمة التي تتقي الله فيهم. فالسياسة مفهومها عندنا نحن المسلمين الأصل أن تكون هي رعاية شؤون المسلمين، لا كما سياسة الغرب التي تتخذ إستراتيجيات المكر والخداع وجعل الإنسان مادة.

فعن أَبي هريرةَ – رضي الله عنه – قَالَ: قالَ رَسُول اللَّه ﷺ:

«كَانَت بَنُو إسرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبياءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبيٌّ، وَإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي، وسَيَكُونُ بَعدي خُلَفَاءُ فَيَكثُرُونَ، قالوا: يَا رسول اللَّه، فَما تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: أَوفُوا بِبَيعَةِ الأَوَّلِ فالأَوَّلِ، ثُمَّ أَعطُوهُم حَقَّهُم، وَاسأَلُوا اللَّه الَّذِي لَكُم، فَإنَّ اللَّه سائِلُهم عمَّا استَرعاهُم» متفقٌ عليه.

وعن عائِذ بن عمرٍو – رضي الله عنه – أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُبيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ، فَقَالَ لَهُ: أَيْ بُنَيَّ، إنِّي سَمِعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول:

«إنَّ شَرَّ الرِّعاءِ الحُطَمَةُ، فإيَّاكَ أن تَكُونَ مِنْهُم» متفقٌ عليه.

ولهذا ما أحوجنا نحن أمة الإسلام إلى إمام عادل يأخذنا إلى بر الأمان وينجينا من البلاء الذي نحن فيه ويكون حقًا ما أصابنا من غير شك هو رحمة وغفران ورفعة في الدرجات لنا وليس عذابًا علينا، ووالله كما قالها رجلٌ من أهل العلم والتقوى كما نحسبه ولا نزكي على الله أحدًا: (إن حاجتنا إلى الإمام أحوج من حاجتنا إلى الماء والهواء)، فعَنْ ‏‏أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏ ‏قَالَ‏: «‏إِنَّمَا الْإِمَامُ ‏‏جُنَّةٌ ‏‏يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ» رواه مسلم.
سلمنا الله وإياكم جميعًا.وفي الختام لا يسعنا إلا أن نقول ما قاله رسولنا الكريم لنردده دائمًا: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ منَ البرصِ، والجنونِ، والجذامِ، ومن سيِّئِ الأسقامِ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد