صدق الذي يسمى ديغول حينما قال: سنعود إلى الجزائر بعد 50 عاما وبدون حرب، بل أقول لم تخرج فرنسا البغي يوما من الجزائر، نعم هي حاضرة في كلامنا ومنتجاتنا وقوانيننا وفي كل مناحي حياتنا، تلكم البغي التي ولدت من أشقر فرنسي احتل الجزائر أكثر 130 سنة، وأنجبت فيها من صاحب الشعر الأسود ذكرا ذليلا تكوّن في مدارسها وفطم بثقافتها وفق نظام مخطط مهيكل جذاب كسح بعدها عقول فرنسيين حمقى أسسوا – ولم يبنوا – لجزائر بعد الاحتلال نظما في شتى المجالات (سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية …) وراحوا يسعون سعيا حثيثا، ويلهثون لهثا كثيرا وراء المسؤولين الفرنسيين عبر التاريخ ليوقعوا معهم معاهدات تعترف لهم بالوجود فوق أرض حطموا فيها أهلهم، ومدّوا أعينهم إلى كل شيء فيها تحت شعارهم الذي يكاد يتحقق، وهو: الجزائر ولاية فرنسية. ولما وقعوا تلك المعاهدات في كل مرة – العار – أحسّوا أنهم قد جاءوا شيئا فريّا، فراحوا يشيعوا هم وبطانتهم أنهم أنجزوا نصرا كبيرا، وحققوا فتحا مبينا، ثم شنوا ومازالوا يفعلون حربا على أشراف هذا البلد الأمين وأحرارها. ولكن لابد من القول إن الذي دفع ديغول وماكرون ومن شاكلهما في هذه السياسة هو ذلك الانهزام الغارق في نفوس بعض الجزائريين الذين ولدوا من البغي فرنسا والرجل الجزائري ذي الشعر الأسود وأولئك المُسلِّمين المنهزمين المعترفين بقوتها ويستحيل اللحاق بها، وهذه الصفة هي التي عبر عنها المفكر مالك بن نبي (القابلية للاستعمار).

أفيقوا يا طالبي الفيزا، أتطلبونها من ناهك عرض أجدادكم بإيعاز من أبناء البغي هنا؟ أفيقوا يا طالبي الفيزا، أتعلمون بأن زيارة هذا الأصفر – ماكرون – هدفها كما قال الأستاذ جمال زواري مسح ذاكرتنا بالتقادم؟ كيف لا؟ وسيزور هذا الولد البار بأمه البغي مقهى (ميلك بار) وسيضع إكليلا من الزهور على عتباته ترحما على أرواح عسكرييه ومعمريه الذين حصدتهم قنبلة المجاهدة زهرة ظريف ـ مد الله في عمرها ـ ذات يوم من سنة 1956. أفيقوا يا طالبي الفيزا، أتعلمون بأن تقرير بيدو سنة 1847، وتقرير بارو سنة 1849، وتقرير سنة 1851 الذي طالب (بضرورة الشروع في تكوين جيل جديد من الجزائريين في مدارس فرنسية، لم يحضر الغزو والمقاومة، وإنما نشأ في عهد الاحتلال وفتح عينيه على الجزائر الفرنسية) . أفيقوا يا طالبي الفيزا، أتعلمون أن البغية قامت في بلدنا بعملية التمسيح، ومخططات لافيجري والفرنسة، وحاولت مرارا تخليص الشعب الجزائري من قرآنه؟ أفيقوا يا طالبي الفيزا، أتعلمون بأن هناك من أبناء جلدتكم من يرجون لكم الدنية ليحافظوا على الحمية المزعومة؟ أفيقوا يا طالبي الفيزا، أتطلبونها من التي سلبت أموالكم، وقتلت وشردت أجدادكم، ودمرت فكركم، واغتصبت أرضكم، وتريد أن تمرغ أنوفكم؟

أفيقوا يا طالبي الفيزا. أتدرون بأن الرجال الأبطال – الشهداء – أدوا واجبهم المقدس وهم على ثقة تامة أن النصر بحاجة إلى تضحية كبيرة، لذلك انبروا مسرعين لوقف النزيف؛ فسالت دماؤهم الطاهرة الزكية؛ لتروي تراب الوطن، لتزهر بخورا ورياحين. أي روح تسكن هذا الشهيد وهو يطرب بأننا تركنا تلاميذ دون دراسة، ومستشفيات دون طب، ومنابر دينية وإعلامية تبث الكراهية والحقد بين الناس بنظام سياسي عقيم لا ينجب إلا العراة، ولا يطبق إلا الفساد ويسهر على الإكراه والإذلال.

أفيقوا يا طالبي الفيزا، فالوطن جريح وبحاجة لمن يضمد له تلك الجراح النازفة قديما وحديثا، لقد أصبحنا نكتب عن الشهداء ونؤرخ بطولاتهم فهم الذين ضحوا بحياتهم في سبيل عزة الوطن والذين نفتخر بهم وندين لهم كونهم بذلوا الروح رخيصة في سبيل الوطن، دون العمل الجاد والسعي للتغيير، لا طلب الفيزا والحراقة المشؤومة.

أفيقوا يا طالبي الفيزا، فقد خرت دموع الشرفاء لتعانق أمل البناء فمنها ما تحقق ومنها ما هو آت، دموع ذرفت عذبة كماء الورد، نقية رقراقة كنبع الصدق والوفاء تأمل أن تساهم في بناء الجزائر، فما فعله الأمير والإمام والرئيس والفيلسوف والعالم والفنان والسياسي المحنك، وغيرهم كثير في واقعنا اليوم، دموع ذرفت وتدفقت عملا في ربوع هذا الوطن، فأسسوا جيلا بهويته الإسلامية العربية المتمكنة تستطيع أن تصبح أفضل 100 مرة من البغي، بشرط واحد فقط: دعوا هذه العقول تعمل.

توقفوا، يا أيها الطالبون والمرحبون بالبغي وابنها، عن استغلال هذه الدماء الزكية لتحقيق مآرب دنيوية، واحترموا هذه التضحيات الغالية، فلا أسمى من أن يضحي المرء بروحه ونفسه كي ينعم وطنه بالاستقرار ويعيش أهله مطمئنون آمنون مصونة كرامتهم، محفوظة مكانتهم، مضمونة حقوقهم، لا يمنّ عليهم أحد بحق ولا يقهرهم أحد بظلم.

إن دم الشهداء ودمع الشرفاء ذهبت هباء منثورا يوم استبدل أبناء البغي هنا الجهل بالعلم والظلم بالعدل والعلة بالصحة والإذلال بالعزة.

يا بغي، إن الشهداء سيبقون أحياء في ذاكرة الأجيال اللاحقة خالدين في جنات النعيم، إن الشرفاء سيبقون يجتهدون أكفاء يقودون الفتية في كل الأزمان.

البغي: فرنسا

الرجل الأشقر: أبناؤها

الولد البار: ماكرون

الأمير: الأمير عبد القادر

الإمام: الإمام عبد الحميد بن باديس

العالم: الشيخ البشير الإبراهيمي

الرئيس: هواري بومدين

السياسي المحنك: الشيخ محفوظ نحناح

الفيلسوف: مالك بن نبي

الفنان: عثمان عريوات

وغيرهم كثير: كل من يغار على هذا الوطن ويسعى جاهدا إلى تغيير الوضع كل في مكانه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد