الأدب وحده لا يستطيع فعل شيء. كل الأعمال الأدبية العظيمة التي كُتبت على مرّ التاريخ لم تستطع أن تَحول دون الوضع الكارثي الذي نعيشه. من الضروري أيضًا ألا ننتظر وصول «مخلّص» ما، يأتي ليحل جميع مشاكلنا.

دائمًا يُقال إن الكاتب يكتبُ رواية واحدة وما غيرها يكون صدًى لها، هذا ما التمسته عندما قرأت الكتاب؛ وكان أول ما قرأت لهذا الأديب الاستثنائي.

انظر أيضًا:

تدورُ رحى الحوادث في مدينةٍ لم يذكر الكاتب اسمها ولا أسماء أبطالها، بل اكتفى بذكر سماتٍ تميزهم، لأن المعنِي هنا قد يكون أي شخص في أي بعدٍ مكاني. حسنًا، لماذا ظلت زوجة الطبيب وحدها في الرواية مبصرة؟ لأنها صوت الكاتب وصداه؛ فمن المفارقة أن الكاتب هنا كان روائيًا بامتياز، يصف الوقائع وصفًا لا شائبة فيه؛ وكأن العمى هنا أقرب إلى عمى البصيرة، عمى أبيض حليبي.

كانت زوجة الطبيب عينهم التي لا يرون بها، ستُخفي حقيقة أنها ترى وستظل تساعدهم ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، لذا وقتما قيدوا إلى تلكم العصابة تعرضت ورأت أشنع حالات الاغتصاب الجماعية، ودفعها الغضب المكبوت أن تقتل زعيمهم. تعمّ الفوضى وتحيك المؤامرات، ويحاول المحاسب الأعمى في العصابة الإمساك بمقاليد السلطة، لكن الأمور تتجه نحو الأسوأ: تَضرَّمت النيران في المكان، والناس جزعى يُلملمون شجاعة مبعثرة هنا وهناك، وزوجة الطبيب في المقدمة، يتجهون نحو الباب يسومهم النحيب والعويل، أصواتهم مرتعشة خشية من بطش الجنود، لكن لا رد، فسرعان ما يكتشفون اختفاء الجيش.

في المدينة: الفساد هو الحاكم، لا توجد أدنى متطلبات الحياة؛ لا ماء أو هواء نظيف، الجميع تقودهم غرائز الحيوان الأولى، حيث يعود الإنسان لأصله الحقيقي والحميمي معًا، يبحثون عن الطعام، في مجموعات تسير الفتاة ذات النظارة السوداء، والعجوز، والأعمى الأول وزوجته، والطبيب وامرأته، يتحصنون جميعًا تحت سقف واحد، تزور امرأة الطبيب الكنيسة مُنقبةً عن الطعام حين تجد كل التماثيل أعينها قد عُصِّبت بأغطية بيضاء، وبأنَّ لوحات القديسين طُمست أعينها بالطّلاء أيضًا. كما أنه في البدايات تتجلى النهايات، فجأة يستعيد الأعمى الأول بصره، ثم بقية من في المدينة، الواحد تلو الآخر، يتساءلون فيما بينهم: لم حدث كل هذا؟! وحينئذٍ يصرخ أحدهم: لا أعتقد بأننا عُمينا، بل أعتقد بأننا عُميان يرون؛ بشرٌ عُميان يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون!

«العمى» رواية فلسفية تغور في وجدان الشعوب، رواية مليئة بالرموز، تحتاج إلى تفكُّر لفهم حيثياتها. الجدير بالذكر أن طمس عيون القديسين يؤكد على وجود قوة كامنة تطمس عقول البشر وقلوبهم حتى يتحولوا إلى قطعان عمياء، فاقدة الروح، يسوقها رعاة من ظلام إلى ظلام، فعندما تكون الفئة المسيطرة التي تقود الشعب فاسدة وعمياء تلحق العدوى حتمًا بكل الشعوب.

مثل كل أعمال ساراماغو، يحوي هذا العمل العديد من الجمل الطويلة جدًا والتي تحلّ فيها الفواصل بديلًا عن النقط. كما ذكرنا آنفًا، فإن إبصار امرأة الطبيب إشارة على الضمير المتيقظ وسط ضمائر غائبة، العمى أبيض ليكون رمزًا للنور والمعرفة، ليس قاتمًا لأن الكاتب يريدنا أن ندرك أن العمى الأسود لا يأتينا بجديد؛ لأننا تقريبًا نعيشه في ساعات الليل، وأصبح جزءًا لا يتجزأ من عاداتنا.

إن محور الرواية يدور حول إنسانيتنا، وكيف يمكن أن نفقدها بسرعة مذهلة وقتما يطغى الجانب الحيواني والغرائز والأنا العليا على الجانب الذي يشكّل فضائلنا، وكأن الحضارة هي زيف ليس إلا.

تُمنح الجائزة للسيد «جوزيه دي سوازا» الذي استطاع بالكثير من الرموز والأمثال الغارقة في الخيال مع المفارقات الإنسانية، أن يعطينا باستمرار واقعًا افتراضيًا يمكننا الإمساك بأطرافه بدقة.

ما قالته الأكاديمية السويدية في هامش الجائزة الكبرى؛ حين حصوله على جائزة «نوبل» في عام 1998 لإبداعٍ غلّفه بإتقان مبهر في رائعته العمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد