بحثنا في مصادر التشريع المحلية والمواثيق الدولية عن حقوق المحتجزين في التزاور والاتصال بذويهم والعالم الخارجي، فوجدنا إجماعًا على هذا الحق في الدستور المصري وقانون تنظيم السجون ٣٩٦ لسنة ١٩٥٦، ولائحته الداخلية وكذلك القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، ومن ثم انطلقنا إلى حيث واقع تطبيق ذلك الحق المنصوص عليه.

لعلها أكثر المصطلحات استخدامًا بين عشرات الآلاف من الأسر المصرية التي تتردد على السجون ومقرات الاحتجاز في مختلف محافظات الجمهورية، بهدف زيارة ولقاء ابن أو أب أو أخ أو والد أو زوجة أو بنت، سُلبت منهم حريتهم لسبب واحد وهو استخدامهم لأحد حقوقهم بالتعبير عن الرأي، أو مشاركتهم في تظاهرات وتجمعات سلمية للتعبير عن رأيهم!

مأساة حقيقية تتجدد أسبوعيًّا أو كل أسبوعين، مع بداية استعداد الأسرة وتجهيز طلبات الزيارة، التي تبدأ قبل يوم الزيارة بيوم أو بيومين!

تجولنا بين جدران هذه المنازل المنهكة اقتصاديًّا واجتماعيًّا ونفسيًّا؛ لنتعرف على حجم المعاناة الحقيقية التي يعيشونها وشاركناهم تفاصيلها المليئة بالصبر والألم.

استمعت لشهادات ست من الأسر المصرية مثلت كل شهادة منهم قصة معاناة حقيقية، تتشابه في بعض التفاصيل، وتختلف في الأخرى، إلا أنهم جسدوا واقعًا مرًّا لعشرات الآلاف من الأسر، كما استمعت إلى شهادتين لمعتقلين سابقين وشهادة محام، فلم نجد فروقًا إلا في أسماء مقرات الاحتجاز وإدارات السجون، ولكن المعاناة واحدة! يبدو أنها سياسة ممنهجة تتبعها السلطات مع المحتجزين وذويهم!

للمعاناة جوانب عدة منها الجانب الاقتصادي، الذي وجدنا من خلال إجراء مقابلات مع خمس أسر رغم قلة الدخل تنفق الكثير على الزيارات، حيث تبين لنا حجم الإنفاق الإجمالي لتلك الأسر ٤٣٦٢٩٣ جنيه مصري (٤٩٥٧٥ دولار أمريكي) على النحو التالي:

١- أسرة تزور في سجن جمصة العمومي (الليمان) – إجمالي الإنفاق: ٩٣٤٠٠ جنيه مصري (١٠٦١٣ دولار أمريكي).

٢-  أسرة تزور في سجن شديد الحراسة ٢ طره-  إجمالي الإنفاق: ٧٩٧٢٣ جنيه مصري (٩٠٥٩ دولار أمريكي).

٣-  أسرة تزور في سجن الوادي الجديد – إجمالي الإنفاق: ٨٢٢٢٠ جنيه مصري (٩٣٤٠ دولار أمريكي).

٤-  أسرة تزور في سجن وادي النطرون – إجمالي الإنفاق: ٨٢٢٠٠ جنيه مصري (٩٣٤٣ دولار أمريكي).

٥-  أسرة تزور في سجن استقبال طره – إجمالي الإنفاق: ٧٥٩٥٠ جنيه مصري (٨٦٣٠ دولار أمريكي).

٦-  أسرة تزور في سجن برج العرب – إجمالي الإنفاق: ٢٢٨٠٠ جنيه مصري (٢٥٩٠ دولار أمريكي).

نفقات لا تتناسب مع دخل الأسر المحرومة أصلًا ممن يعولها ومنها من يعيش على المساعدات!

أما عن الجانب الإنساني، حيث تقوم  الأسر بجهد كبير تم تقسيمه إلى ١٠ مراحل تمر بها كل أسرة، بدءًا من تجهيز الزيارة حتى صافرة نهاية الزيارة، تمر هذه المراحل دون راحة ونوم ليومين وثلاثة أيام والسفر والانتظار لساعات تحت أشعة الشمس، التي أودت بحياة زوج معتقلة، ومئات من الإصابات بضربات الشمس والهبوط في الدورة الدموية.

والنفسي من خلال تعمد إدارة السجون إهانة الأهالي ومعاملتهم بطريقة متدنية، وإخضاعهم لإجراءات تفتيش سيئة تترك وحدها أثرًا نفسيًا بالغ السوء في نفوس الأهالي خاصة السيدات (إجراءات تخطت التحرش الجنسي).

أسر فقدت الطمأنينة وتحولت حياتها إلى دورة مؤلمة تتجدد معهم بشكل مستمر وأصبح ما يقضونه من راحة بمثابة استعداد للمعاناة قبل الزيارة وبعدها، راحة لإزالة آثار الرحلة ومتاعبها النفسية والجسدية.

والجانب القانوني بإجراءات لا تحترم الإنسان ولا تقدر ظروف هذه الأسر، ولا حتى رحمة يستحقوها قبل الحديث عن حقهم في أن يعاملوا معاملة إنسانية، وألا يتم تعريضهم للإيذاء النفسي، كذلك الحق في الزيارة الذي تقره التشريعات المحلية والدولية.

كما تعودنا على غياب القانون في تصرفات السلطة وأجهزتها تدور إجراءات الزيارة لدرجة أن قوائم الأغذية والأدوات الممنوع إدخالها للمحتجزين، لا ترتبط إلا بالحالة المزاجية لضباط السجن ومن يسأل من الأهالي عن سبب منع إدخال شيء اعتادوا على إدخاله، فيجدوا أفواهًا متعجرفة وأجسادً متجبرة تقول لهم (منذ متى نُسأل لماذا!) إنها الدولة البوليسية التي تسعى لكسر عزيمة مواطنيها وإذلالهم وعدم اكتفائهم بحد معين من الانتهاكات!

حتى المحامين لا يتمكنون من القيام بواجبات وظيفتهم، والانفراد بموكليهم لدرجة صدور حكم محكمة النقض بإلغاء أحد الأحكام كان من مسبباته هو عدم تمكين المحامين من التواصل مع موكليهم!

معاناة المعتقلين أيضا في طريقهم لزيارة ذويهم ليست بالهينة، ويتعرضون لعدة إجراءات صعبة وخصوصًا مع نهاية وقت الزيارة بالتعدي عليهم من قبل مخبري الزيارة، وإبعادهم عن ذويهم ومن يحاول أن يطلب منهم تركه لتوديع أهله، ربما يتم الاعتداء عليه من السباب وحتى التعذيب والوضع في التأديب!

شارك في هذا العمل عدد من الزملاء والأسر أخصهم بالشكر على حرصهم الكبير من أجل إخراج هذا العمل، وإيصال رسالة المقهورين.

في أثناء العمل ومن ثنايا كلمات أصحاب الشهادات، ظهرت أمامي حقيقة تستحق منا العمل على كشف حجمها وتفاصيلها، ألا وهي اقتصاد السجون وفضح المتورطين فيه!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد