بين أرفف الكتب، وثنايا الأدب البرتغالي، تقبع رائعة الكاتب جوزيه ساراماغو كتجربة تضيف حقًا إلى الثقافة العالمية، وهي بلا ريب – عزيزي القارئ – تستحق وقتك وتستجدي اهتمامك.

العمى داء معدي؟!

قد يبدو هذا التساؤل للوهلة الأولى مجرد هزر كلمات… الثابت هنا أن الكاتب يضرب بعرض الحائط كل تلك البديهيات التي نسلّم بها، يعمد إلى إسقاط ضمني، يهدم الأعراف والأساسات التي بُنيت عليها أغلب الروايات التي خلت.

العمى ليس ميكروبًا بالطبع، وليس أيضًا تعويذةً أُلقيت من رحم الخيال، العمى داء قد ألمّ بالمجتمع كافة، عدا امرأة واحدة لم تُصب به لسبب ما، فعاشت بين العميان ترى الحقيقة مجردة من بريق الزيف، تستلهم الأمل من المعاناة التي هي وليدة الاستبداد الذي فرضته عصابة تخفي هشاشة ممتزجة بجبن نفوسهم خلف السلاح، ومن طغيان وفساد ونهب وسرقة، إلى أعمال مُخلة يقوم بها كثيرون للحصول على لقمة العيش؛ كأن يقدموا أجسادهم قرابين، أو يُقادون كذبائح، أقدامهم تسير في خطىً لوأد أرواحهم.

لا وقت لدينا لإهداره، ولا إربًا من الزمان لتتقطر سدىً، إذ أنه في حين أن المتعارف عليه أن يقدم لك الكاتب شخوص أبطاله، ثم يميزها بما يُحتمل أن تتطبّع به من شمائل وصفات، فإن جوزيه ساراماغو قد خرج عن النص وشذ عن القاعدة، في رائعته العمى أنت من سيحكم على الشخصيات، أنت من ستقرر المعنى وراء الكلمات، والمغزى من كل ما حدث في الرواية، وبالتبعية ما يحدث فيك وفي العالم.

سيأخذ بيدك إلى جوهر الأحداث، فتبصر ذاتك واقفًا؛ كدخيل أعمى أنت الآخر، ويخيط داخل خيالك خيوطًا هي أقدارك مع أقدارهم، ستذويك عن الواقع، وفور أن تعود، ستدرك أن ما عايشته معهم ما هو إلا انعكاس لحقيقة ما تمر أنت به في حقيقة الأمر.

في الرواية عروة وثقى بمجتمعنا الضرير، صدئ القلب، كقاضٍ خدر الضمير؛ خلع رداء الحق وتوشح البطلان، الظلم آيته والنفاق عقيدته، الكل أعمى حوله يهلل، وأنت تصارع الوحشة لا خيار لك سوى أن تجاري صروف الزمان.

ما أصعب أن يكون المرء مبصرًا في مجتمع أعمى!

إذًا، لنلخص الأمر…

إشارة مرور، سيارات كثر، وفجأة، الإشارة تعلن عن إذعانها: الضوء أخضر، لكن السيارة في الصف الأول لا تتحرك، يثير هذا سخط من حوله، حتى يصيح ذاك المواطن أنه أصيب بالعمى على حين غرّة، يندفع حوله الجميع ويعرض رجل بكل ما تقتضيه النخوة والشَمَم أن يقود بدلًا عنه ويوصله إلى المنزل، هذا الشهم بالطبع ليس إلا سارق سيارات، والذي بدوره سينتقل العمى إليه عما قريب.

الرجل يعود إلى منزله، امرأته تصحبه إلى طبيب العيون، في بهو الانتظار: طفل أحول، فتاة ذات نظارة سوداء، شيخ ذو عصابة على إحدى عينيه. الطبيب بالتتابع يصيبه العمى هو وكل من تم ذكرهم آنفًا، أما امراة الطبيب ستدّعي العمى كي ترافق زوجها إلى الحجر الصحي المشدّد حيث هناك ستعزلهم الحكومة، ومع كثيرين غيرهم سيقبعون في عنبر معًا، تحت حراسة استثنائية من الجيش النظامي الفاسد.

الأيام كخطوات امرأ خجول، بطيئة، لكنها عميقة الأثر، تقرّب بين من تشابهت أقدارهم وتآلفت آلامهم وتوحدت خيباتهم؛ لذا فليس عجبًا أن تُنسج خيوط الصداقة، خيوط هي للوَحدة أقرب.

لص السيارات سيلقى حتفه في البداية على يد رصاص الجنود المذعورين الذين يحرسون المكان، حينما كان يحاول أن يستنجد بهم ليسعفوا قدمه التي تشبعت نزيفًا إثر محاولته التعدي على فتاة النظارة السوداء وضربها إياه بالمقابل.

مع معاناة تقطير الجيش للطعام لهم، وسقوط أعداد في فجوة الموت؛ لتزاحمهم وتضاربهم، وانتشار الروائح الكريهة، وتراكم الجثث جانبًا لصعوبة الدفن المستمر، تمتلئ العنابر الأخرى وسرعان ما تأتي عصابة تعلن عهدًا استبداديًا جديدًا.

عميان ضد عميان، ماذا يضير العالم؟! العصابة مسلحة، وقد أبانت عن دستورها القاتم؛ من أراد أن يأكل فليدفع! دفعوا كل ما لديهم من مصوغات، وكل ما يملكون مقابل الطعام، ثم أعلنت العصابة: والآن نريد النساء.

تتحجّر الدموع، ماذا تعني الدموع عندما يفقد العالم كل المعاني؟!

يَتبع في جزء ثانٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد