مقتبسات فلسفية عن جائحة كورونا

يجتاح العالم موجة فيروس تاجي (Coronavirus) غير مسبوقة يسود فيها الهلع. تعددت الأقاويل حول المسائل الطبية ومدى فاعلية الإجراءات الحكومية، وما زالت كورونا تنهك عقولنا بشكل يومي. الرسوم البيانية ووسائط «واتساب» تمتلك العديد من المعلومات غير المفهومة والتي بدورها تجلب المزيد من الذعر والحيرة، ولكنها ترغمنا أيضًا على تشييء الحياة. السؤال الفلسفي هو كيف تسيطر أزمة الكورونا على أخلاقياتنا؟

لحسن الحظ لدينا من يسعفنا، الفيلسوف والمفكر الإيطالي جيورجيو أجامبين، تركز عمل أجامبين في صنع نموذج فلسفي لأخلاقيات الكوارث وما يجب على العقل أن يعيه. أجامبين معروف بشكل خاص بعمله على التاريخ الفكري والسياسي لمفهوم «الحياة» (The Concept of Life)، والسياسات الحيوية (biopolitics)، والتهديد الذي تشكله السيادة السياسية. من أهم فرضيات السياسية الحيوية، كما وضعها ميشيل فوكو وفسرها أجامبيين، هو أن السلطة هي التي تحدد خصائص البشر، وأن الجسد هو نقطة التقاء السلطة بالحياة، الأمر الذي يتحقق بشكل كلي في ظل الانتشار الكامل والشامل للرأسمالية.

ومن أجل تفعيل السياسيات الحيوية وتطبيق مبدأ الحياة، تنشئ السلطة هالة سياسية تسمى «حالة الاستثناء» (State of exception) والتي تسمح للسلطة بممارسة الحياة على الجسد وهو ما نراه حاليًا في المستشفيات حيث يهرع عمال الصحة لإنقاذ حياة شخص ما أو التخلي عنهم عندما يتعدى سنهم سن الإنتاج والنشاط الاجتماعي. تصبح حياة الإنسان حينها مسيسة (biopolitics)، وتصبح المستشفيات أداة قتل لا نجاة. يتجرد الإنسان من إنسانيته وحقوقه، ويصبح حيوانًا عاريًا (bare animal).

كتب أجامبين مؤخرًا مقالين لخص فيهما أفكاره حول جائحة كوفيد 19، ويكتب أن الإجراءات الطارئة هي «مسعورة وغير عقلانية وغير مبررة على الإطلاق» (Berg, 2020) . يصر أجامبين على أن الفيروس التاجي هو إنفلونزا طبيعية لا تختلف كثيرًا عن تلك التي تؤثر فينا كل عام. بالطبع فالأرقام لا توافق أجامبين الذي بدوره يهتم بالحالة السياسية لا الصحية. يصر أجامبين على أن «حالة الاستثناء» حقيقية مما يستدعي ضرورة الاستجابة الإنسانية لها، وبالتالي فإن التهديد الحقيقي ليس المرض نفسه، وإنما مناخ الذعر الذي أوجدته وسائل الإعلام والسلطات حول المرض.

يسمح هذا الذعر للحكومة بإدخال أنواع متطرفة من القيود على الحركة والتواصل الاجتماعي. يقول أجامبين إن عمليات الإغلاق والحجر الصحي هي في الواقع مظهر من مظاهر «الميل المتزايد لاستخدام حالة الاستثناء كنموذج للحكم» (Ibid) ويذكرنا أن الحكومة تفضل دائمًا أن تحكم بإجراءات استثنائية.

تبدو أفكار أجامبين كقصة نظرية مؤامرة، ولكن أخطار الذعر من كوفيد 19 أصابت حضارات بأكملها وليس شعبًا واحدًا فقط، فهل تصنف شكوك أجامبين تجاه التدخل السلطوي في حياة الإنسان بجميع أنواعه على أنها ترهات فلسفية؟ الفيلسوف الفرنسي جان-لوك نانسي يقول إن ما هو على المحك في وضع أجامبين الجدلي، المطبق على العالم الحقيقي: حياة الأحباء، وخاصة كبار السن والضعفاء.

إن الموت المستمر لهؤلاء لا يضعف فرضيات أجامبين، بل ربما يزيد من عزيمته حول تشخيص الوضع الحالي كحالة استثناء سيست فيها حياة الإنسان. قد يخطر في بالنا أنه جرى تقييد حركة البشر في وقت سابق أثناء الطاعون في القرن السابع عشر، فالأمر ليس بالجديد ولكن أجامبين يراوده سؤال آخر: كم تبلغ كمية التضحية التي يجب أن نقدمها للسلطة حتى تنتهي حالة الاستثناء هذه؟

لا يستطيع الأطباء أو السياسيون الإجابة عن هذا السؤال لأنه سؤال أخلاقي وليس علميًّا كما يزعم أجامبين. الحل يكمن في الانتقال من الحياة العارية (Homo Sacer)، وهو بقاؤنا بيولوجيًٌا إلى الحياة الاجتماعية والأخلاقية وهو شيء يحمل مرتبة أعلى. يقول أجامبين إن أول شيء تظهره موجة الذعر التي أصابت إيطاليا بالشلل الواضح، هو أن مجتمعنا لم يعد يؤمن بأي شيء سوى الحياة العارية.

في حالة الذعر الهستيري بذلنا جهودًا جبارة لتجنب الأذى الجسدي؛ مما جعلنا عرضة لفقدان نظام أعلى بكثير: التضحية بعملنا والصداقات، والأسر، والطقوس الدينية (مثل الجنازات)، والالتزامات السياسية. إذا استمرينا في حالة الهلع فنحن ننقذ أنفسنا بيولوجيًّا لا أخلاقيًّا. هذا يقضي على أي معنى للحياة مما لا يجعلها ممتعة للعيش.

إن التركيز الحصري على البقاء، لا يشكل هزيمة أخلاقية بحد ذاتها فحسب، بل يقلبنا بعضنا ضد بعض، مما يهدد إمكانية إقامة علاقات إنسانية ذات معنى، وبالتالي عن مظاهر المجتمع. تدفعنا حالة الهلع إلى أن ننظر إلى الآخريين كحاملين للفيروس يجب تجنبهم بأي ثمن، وليس كبشر نشارك معهم عالمنا.

نكرس حينها أنفسنا جميعًا لمعركة ضد عدو داخلنا، يتجسد في هيئة البشر من حولنا. الحرب ضد الفيروس هي أيضًا حرب أهلية في داخلنا، بين الأخلاق وبين النجاة وبين التواصل البشري والتكنولوجيا. عواقب هذه الحرب ستكون وخيمة وستدوم أكثر من الوباء. المعركة تهدد الحكم الذاتي الديمقراطي؛ فزيادة استخدام المراقبة، وتوسيع السلطات التنفيذية، والقيود المفروضة على حرية الحركة والجمعية تطرح نفسها حلولًا فعالة تمهد الطريق إلى المزيد من التبدد، وربما استعمارية جديدة تصب في مصلحة اليمين المتطرف.

لقد اختلقت أزمة الوباء لإيذائنا أخلاقيًّا، ولكن الإيجابي هو أن مكوثنا في البيت قد يعزز من قيمنا الأسرية. ليس الأمر لدرء الخطر البيولوجي فقط، ولكن من أجل الحفاظ على حياة الآخرين بدافع أخلاقي: لممارسة قوى المجتمع الهائلة لحماية الضعفاء أمام فيروس كورونا المستجد، سواء كانوا أحباءنا أم آخرين لا نعرفهم. يجب علينا أن نهتم بهؤلاء؛ ليس لأنهم حيوانات بشرية ولكن لأنهم أقاربنا وأصدقائنا وأعضاء مجتمعنا. أدعو الجميع إلى الالتزام بالتعليمات الصحية وملازمة البيت خصوصًا إن كنتم تقطنون مع مسنين أو ذوي أمراض مزمنة أو وراثية. عافانا الله وكفانا كل شر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إغاثة, هلع

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد