قال ابن خلدون: (وكتاب الأغاني ديوان العرب، وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال، ولا يعول به على كتاب في ذلك فيما نعلمه، فهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها، وأنى له بها).

في زمانٍ كان الشعر هو الموثق لكل الأحداث والشاهد عليها، وكان الناس يهابون الشاعر فربما بيت هجاءٍ واحد كان كفيلا بأن يقضي على أهم شخص في القبيلة أو يجبر القبيلة كلها على التراجع عن قراراتٍ هامة، وربما بيت غزل واحد يتطاير في الأرجاء كفيل بأن يقتل قصة حب في مهدها، حين كان الشعر وحده يرفع أناسا هم الأدنى من بين أقوامهم لولا امتلاكهم «القافية»، ظهر كتاب الأغاني.

وكتاب الأغاني يعد مرجعا للحياة الاجتماعية والأدبية في عصور الجاهلية وصدر الإسلام وأيام بني أمية حتى العصر العباسي، يحوي بداخله أكثر أيام العرب ووقائعهم وغزواتهم وأنسابهم وأخبار شعرائهم.

ومضى عهد طويل على أخبار «الأغاني» المبهجة ونسيه محبو الأدب أو تناسوه فظل مهملا على رف المكتبات.

ولكن يجيء «المنسي قنديل» فيختار من كتاب الأغاني ثلاثين صوتا من أصل مائة صوت هي أجمل ما غُني به، كان قد جمع الخليفة الرشيد المغنيين ليختاروها له في ليلة أرق مرت به، عمل شاق تحملوه إرضاءً للخليفة واستجلابا للنوم المتمنع، ويجمعها في كتاب بعنوان «شخصيات حية من الأغاني» صدر عن دار الكرمة في عام 2015، بطبعة مَزِيدةٍ معدلة فصارت مختلفة عن نسخة الكتاب القديمة ومتاحة أكثر من ذي قبل لكل محبي الأدب والمطبوعات الورقية.

وبأسلوب سردي سلس ولغة عذبة ومسحة حزن عهدناها بقلم المنسي قنديل يحيي شخصيات كنا نعتبرها مجرد أسماء: امرؤ القيس وتأبط شرا والنابغة الذبياني والحطيئة وقيس بن الملوح وكثير عزة وجرير والفرزدق وبشار بن برد وإسحاق الموصلي وزرياب.

مجرد أسماء صارت جميعها من لحم ودم وقلوب تشعر وتفيض بالحزن والفرح وعقول تفكر وتقرر متى تبثنا مأساتها كاملة، وأرواح سحرتنا بعبق هذا الزمن الخلاب.

ثلاثون حكاية تتفاعل مع أبطالها بغض النظر عن كونهم شعراء قد تكرههم أو تحبهم أو تتقزز منهم، لقد رأيتهم وسمعتهم وتألمت منهم ولهم، عانيتُ هنا أيضا من النهايات رغم أنها ليست من تأليف «المنسي قنديل»، ولكنها -ولا أعلم كيف- صارت تشبه نهاياته الحزينة كلها.

هو عمل كما تذكر مقدمته «يتراجع فيه رجال السلطة قليلا ليتقدم الشعراء الذين وإن نجوا بقلوبهم وقصائدهم، فإنهم لا ينجون من مصائرهم الدامية الأخيرة، لكأن الإبداع رديف حفر عميق في الوجع الإنساني وُجد حتى ينحت لحياة أخرى ممتدة».

لكن لم هذه الثلاثون بالتحديد؟، أعلم أن الأصفهاني كان يتجاهل الأخبار غير الجذابة وإن كانت مفيدة، ويختار القصص المشوقة والحكايات المسلية، فهل اتبع محمد المنسي قنديل نفس المنهج أم لأنه اعتبرها الأشهر القادرة على أن تبقى حية.

ينفض محمد المنسي قنديل عن الأغاني «العنعنة» التي لا تهم حقا محبي الأدب الذين سيقرؤون عن الغناء والسمر، ثم افترض أن الأصفهاني يسافر ويجوب البلاد بحثا عن الشاعر ليسمع منه بشكل مباشر ويقرر أن يبث الحياة في الثلاثين شخصية المحكي عنهم، وعلى لسان هذه الشخوص نسمع قصتهم ونعرف أفكارهم ومشاعرهم،

ولكن تبقى مشكلة التحري، مدى صدق هذه المرويات كلها، فيمتزج الخيال بالحقيقة ولا يبقى شاهد إلا الشعر، كما غابت أو كادت الاقتباسات الشعرية في كتاب يموج بالأصوات.

ولكن تبقى الشخصيات التي أحياها «المنسي قنديل» من بين طيات «الأغاني» -حقيقية كانت أم متخيلة- تحوي مزيجا محببا من الطموح والحب والجنون، تأخذنا في رحلة ماتعة لم نكن لنخوضها لولاها قط.

تحكي القصص من عدة وجهات نظر وهو أمر طبيعي، لأن الشخصية تحكي بنفسها عن الحدث بشكل ذاتي تماما، مما يثري القارئ عبر إلمامه بمختلف جوانب القصة، كحرب البسوس مثلا.

أربعة أيام من المتعة الخالصة قضيتها أقرأ هذا الكتاب؛ ولأني أعشق الأدب وقراءة كل ما يمت للشعر بصلة؛ ولأن المتعة هدفي من القراءة بالأساس، سيظل هذا الكتاب من أعظم ما قرأت؛ فمن أعظم المتع أن تبحر في كتاب.

الحب في الأغاني وشخصياته الحية:

يقدم لنا محمد المنسي قنديل بأسلوبه العذب صفوة من الناس، «رفعهم جهدهم العقلي عن طبقتهم العادية، بداخلهم بذرة من الطموح القلِق، يتأرجحون بين الأحلام التي يسطرونها في كلمات القصائد، وبين تقاليد الصحراء التي لا ترحم أناسا عبروا  بكل صراحة عن مشاعر الهوى المستعر، والشهوة الصريحة، والرغبة في الحياة، فيُعيد لنا جمال أُنس الليالي الخوالي».

من المنصف أن نقف عند قصص الحب في حياة هؤلاء الشعراء ونتأمل، يقول أبو الفرج الأصفهاني: «الشعر يكتسب روحه من الصحراء اللافحة»، كذا الحب اكتسب روحه من تلك الصحراء، ولأن في الصحراء كان لكل شيء حقه، مُنح الحب أهمية جمة جعلت من توارث أخباره أمرا منطقيا.

  «تشابهت الشمس ووجهك يا ليلى، كلاكما قاسٍ وبعيد المنال»

ولكن ليلى ابنة عمه لم تكن قاسية بل هو قانون الصحراء الذي كان ينتصر ويفرق المحبين، يموت «قيس بن الملوح» عشقا في ذات ليلى، تلك الظبية الحزينة التي فُرض عليها أن تختار بين الحب وتحمل العار أو الحياة بقلب مذبوح، وكيف لأنثى نشأت في قبيلة أن تختار الحب، لا تملك خيارًا كظبية وقعت في الشباك.

    «قضاها لِغَيري وَاِبتَلاني بِحُبِّها      فَهَلّا بِشَيءٍ غَيرِ لَيلى اِبتَلانِيا»

«إن ليلى قد اختارت وردا»،  تُزف ليلى إلى ورد رغما عنها، يحدد أبوها موقفه بصرامة «لقد فضحت ابنتي بأشعارك ولو وافقت على زواجك كأني أفضح نفسي وعشيرتي»-لا تفهم حقا ما المنطق في هذا التعنت- يتمتم قيس بحسرة: «ليتني خرست ولم أقل الشعر».

غضب والد قيس، ويشير عليه بعض أبناء عمه أن يُأخذ إلى البيت الحرام لعله يسلى ثم توجهوا جميعا إلى الحرم فقال له والده: تعلق بأستار الكعبة يا بني واسأل الله أن يعافيك مما أنت فيه من حب ليلى، فلما تعلق قيس بأستار الكعبة قال:

«اللهم زدني بليلى حبا، وبها كلفا، ولا تنسني ذكرها أبدا».

تلك الدرجة من الحب التي وهبها قيس لليلى جعلت البعض يتشكك في حقيقة وجود من قد يسخر للعشق حياته ويخطو نحو المحبة الخالصة ولا يسخط على محبوبه أبدا وإن نأى، فلا يكون المحبوب سوى روحا سابحة في الملكوت، أو في حقيقة وجود ليلى نفسها فربما كانت ليلى مجرد رمز لكل صبوات الوجد.

وتتكرر المآسي في الصحراء وتتشابه النهايات، فلا نجد محبا قد اعتبر بنهاية حب شاهدها قط، فها هو «وضاح اليمن» يحب روضة، ولكن شعره يسبق عزمه على الاقتران بها، ويطير إلى أهلها، صاخبا مليئا بالوجد «قَالَتْ: فَزُرْنا قلتُ كيفَ أزُورُكم وأنا امرُؤٌ لِخُروجِ سِرِّكِ خاشِي»  يحفظونه ويتميزون منه غيظا حين يرددونه، ثم يزوجونها من غيره.

    «يا عزة ملأ الشوق عروقي بالملح ودفنت الرمال واحات قلبي، وفيكِ ترياقي وهلاكي»

أعرضت عنه عزة «أنت أقصر مما ينبغي، لو أحببتك لعايرتني بك صويحباتي»، وتتزوج عزة من رجل آخر لا يقول الشعر لكنه طويل عريض فيه مواصفات الرجل الحقيقي، وتترك كُثيِّر تحرقه نار الحب وحده.

كانت أمنيته الوحيدة أن يوهب ولو نذرا قليلا من حب عزة دون أن تخجل منه، ورغم أن الحلم هو التعويض عن كل الآلام التي نكابدها، إلا أن حلمه كان ينغصه ويذيقه بأسا فوق بأس الصد.

لا يعرف الحب طبقية ولكن حين أحب قيس بن ذريح ليلى بنت الخباب قوبل بالاستهجان والرفض، وحين أحبت علية بنت المهدي طلَّا عذبتها الفوارق!

يطلب «قيس بن ذريح» من أبيه أن يزوجه ليلى بنت الخباب، ولكن شتان ما بين مجده وفقر أبيها، ولكن قيسا يدافع عن حبه ويتزوجها وينعم معها نعيما قصيرا، لأنه سرعان ما يطلقها تأخرها في الإنجاب تحت ضغط من أبيه الذي يترك تجارته ويقف في العراء حتى تخترق الشمس رأسه، ويضعف قيس ولا تجدي توسلاته، فيعود أخيرا إلى الخيمة وفي مشهد عبثي تهم ليلى أن تخبره بحملها ليبادرها هو بأنه طلقها.

    «تغني في لوعة فينساب صوتها كالحلم: ولا خلا منك قلبي لا ولا جسدي، كلي بكلك مشغول ومرتهن»

بنت خليفة سابق وأخت خليفة حالٍ وعمة خليفة قادم تلك هي علية بنت المهدي، ولكنه الحب يهدم كل الجدران بين الخدَّام والملوك، وتقع علية في حب «طل» خادم الخليفة، يتنسم الخليفة عبير عشقها له فيثور ويأمر بقتل طلا، لكن علية تتمرد على سجن البعد بطريقة عاشق صب، فتمرض وتهذي وتعاني وطأة العشق، فلا يملك الخليفة إلا أن يرأف بها ويهبها طلّا «وهبت لك طلا، ولا أمنعك بعد هذا من شيء تريدينه».

طلُّ لم ينس تلك الفوارق ولا يملك أن ينسى ما حدث له خلف جدران سجن الخليفة المظلمة الباردة، يرون جميعا تلك الكدمات على جسد علية وهي صامتة يأخذ منها العشق كل مأخذ وتبهت يوما بعد يوم.

لا ينتهي الحديث أبدا عن الأغاني وشخوصها سواء المدفونة في هذه الموسوعة الضخمة، أو تلك التي بُعثت حية رشيقة بقلم «المنسي قنديل».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأغاني
عرض التعليقات
تحميل المزيد