الروس في موقفهم المنغمس بالحرب الدائرة على الأرض السورية يقدمون دليلًا واضحًا على أنهم لم يراجعوا ما سبق أن وقعوا فيه من أخطاء جسيمة كانوا قد ارتكبوها عندما تدخلوا عسكريًّا خارج بلدهم، واصطفوا بموجب ذلك التدخل لصالح الأنظمة الحاكمة ضد إرادة الشعوب، وعلى الرغم من أن هذا الموقف قد جلب لهم كوارث على جميع الأصعدة إلّا أنهم ما زالوا يكررونه، كما لو أنهم ينصبون الفخ لأنفسهم، ولعل تورطهم العسكري في أفغانستان في مطلع ثمانينات القرن الماضي أكثر الأدلة التي تشير إلى خطأ نهجهم هذا.

كما هو واضح من مجريات القتال الدموي الدائر على الأرض السورية أن هنالك من الوقائع ما يشير إلى أن الروس ذاهبون للسقوط في ذات الحفرة التي سبق أن سقطوا فيها، بعد أن وقفوا في مواجهة الشعب الأفغاني لصالح الوقوف إلى جانب النظام الشيوعي الحاكم بزعامة حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني، والذي كان يعيش عزلة حقيقية من قبل عموم الأفغان هذا إلى جانب الصراع العنيف على السلطة التي كانت بين قيادات الحزب.

الإرادة القوية التي أبداها السوريون في الإصرار على مواصلة القتال على مدى خمسة أعوام بمختلف فصائلهم العسكرية، منذ انطلاق ثورتهم في 18 آذار 2011 رغم خسائرهم البشرية والمادية، تشير إلى النهاية التي سيتمخض عنها التدخل الروسي في هذه الحرب ستكون بنفس ما انتهى إليه تدخلهم في أفغانستان، وما بين الحربين ــالأفغانية والسوريةــ التي كان الروس طرفًا فيهما ليس هنالك من فارق جوهري، بل إن هنالك الكثير من عوامل الالتقاء بينهما، حيث إن الشعبين يلتقيان عند نقطة جوهرية تتلخص في كونهما يخوضان نضالًا سياسيًّا قبل أن يكون قتالًا عسكريًّا دفاعًا عن حريتهم وكرامتهم ضد نظام سياسي تجاهل إرادتهما، ثم جاء الغزو الروسي الداعم للنظام ليمنح هذه المواجهة بعدًا وزخمًا وطنيًّا من الصعب المراهنة على انكساره، ومن يخالف هذه القاعدة التاريخية لا بد أن يكون مصابًا بفقدان الذاكرة أو عمى البصيرة.

ما زالت العقلية التي تدير المطبخ السياسي الروسي ــوبوتين أبرز من يمثلهاــ تحمل ذات المنهج المتعالي الذي كان عليه قادة الكرملين في رؤيتهم للشعوب، وخاصةً في أوروبا الشرقية التي كانت بلدانها منضوية أو بتعبير أدق خاضعة لهيمنة الاتحاد السوفيتي، وكانت تلك العقلية تعبّر عن منهج لا يتردد في التدخل العسكري عندما كانت تشم رائحة تفكير مستقل لدى أي بلد من تلك البلدان يسعى قادتها إلى الخروج من تحت سلطة الاتحاد السوفيتي، كما حصل في جمهورية تشيكسلوفاكية في 5 يناير عام 1968 «قبل أن تنفصل عام 1990 وتصبح جمهوريتا التشيك وسلوفاكيا» حيث حاول خلالها الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي الحاكم آنذاك أن يتخذ مسارًا إصلاحيًّا أقرب إلى الديمقراطية الغربية، وقد عُرف في حينها بتسمية «الاشتراكية ذات الوجه الإنساني». وكان هذا المسار الإصلاحي قد انطلق مع وصول الزعيم ألكسندر دوبتشيك للسلطة، إلّا أن هذه الحركة انتهت بقوة القمع العسكري في 21 أغسطس 1968، عندما اجتاحت البلاد قوات حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفيتي.

في مطلع تسعينات القرن الماضي عندما سقطت دول أوروبا الشرقية «الشيوعية» بنفس طريقة لعبة الدومينو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أثبتت تلك الأحداث أن قادة الكرملين كانوا يحكمون تلك البلدان بأساليب بوليسية قمعية لا تحترم حرية وإرادة الشعوب، ولم تكن تلك الأساليب تعكس جوهر الفكر الماركسي، بما يحمله من رؤية مثالية عن المجتمع الشيوعي الذي ينشد تحقيقه.

بوتين في سعيه المحموم لإعادة الدور القطبي الذي كانت تلعبه موسكو في السياسة الدولية مع غريمتها واشنطن أيام الحرب الباردة قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، إنما يعكس حقيقة الأزمة الذاتية التي تتلبسه، فالرجل ما يزال يعيش وهمًا كبيرًا، ولا يريد أن يصحو منه وسيدفعه هذا الوهم إلى أن يرتكب الأخطاء تلو الأخطاء، فهو وببساطة شديدة يبدو كما لو أنه يحاول بقدر ما يستطيع أن يتجاهل متعمدًا ما حصل من متغيرات كبيرة في خارطة السياسية الدولية بعد انهيار جدار برلين في 9 نوفمبر 1989، وكان من نتائج ذلك الحدث التاريخي انحسار كبير للدور الروسي أمام تعاظم وانفراد محور السياسة الأمريكية إضافة إلى بروز واضح للدور الأوروبي، ورغم ذلك يحاول بوتين القفز من فوق هذه الحقائق، كما لو أنه يريد أن يسحب الثقة الكبيرة التي يمتلكها، وهو يمارس رياضة الجودو والكاراتيه في الملاعب الرياضية إلى ساحة السياسة الدولية، متجاهلًا بذلك أن من يتقن الفنون القتالية الآسيوية، ويحقق فيها الانتصارات على خصومه ليس بالضرورة أن يكون قادرًا على التمتع بالانتصار في دهاليز السياسة.

وفيما يتعلق بالمسألة السورية، فإن بوتين لم يكن موفقًا أبدًا في موقفه منها، خاصةً وأنه قد اختار الجبهة الخطأ في هذه الحرب عندما وقف إلى جانب نظام بشار الأسد، ورمى بكل ثقله العسكري في خندقه، بذلك هو يعيد إنتاج نفس خطوات السيناريو الذي سبق لموسكو أن نفذته على أرض أفغانستان في مطلع ثمانينات القرن الماضي، عندما وقفت إلى جانب النظام الشيوعي الحاكم متجاهلة بذلك الإرادة الشعبية.

الهزيمة العسكرية هي النتيجة المتوقعة لمثل هذه المواقف التي تحارب فيها الجيوش خارج أرضها بمسافة تبعد عنها آلاف الكيلومترات؛ دفاعًا عن قضايا لا تمس شأنها المحلي والوطني. وخروج موسكو العسكري من أفغانستان منكسرة ومهزومة في 15 فبراير عام 1989 ضاعف عليها ما كانت تعانيه من صعوبات اقتصادية، بسبب التراجع الكبير في مستويات إنتاجها الوطني، وانعكس ذلك بالتالي على المناخ السياسي العام حتى وصلت الأوضاع إلى مرحلة من التفاعل والاحتقان والاحتدام ما بين أركان ورموز النظام الشيوعي نفسه بصورة لم تكن متوقعة، وبذلك هيأت هذه العوامل المناخ الملائم لينهار النظام الشيوعي فيما بعد بطريقة دراماتيكية سريعة، وما أشبه اليوم بالبارحة.

الروس تورطوا في موقف لا يحسدون عليه داخل الأراضي السورية، خاصةً بعد أن أثبتت المعارك التي دارات طيلة الأعوام الخمسة الماضية أنَّ أطراف المعارضة، وفي المقدمة منها الفصائل المنضوية تحت ما يعرف بالجيش الحر، ليس من السهل هزيمتها رغم الفارق الكبير من حيث معدات التسليح ما بينها، وبين قوات النظام وبقية الأطراف المتحالفة معه، ابتداءً بسلاح الجو الروسي، ومرورًا بأسلحة الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الطائفية القادمة من العراق، ولبنان، والمرتزقة القادمين من باكستان وأفغانستان، ولعل المعارك التي شهدتها مدينة حلب في مطلع شهر آب (أغسطس) الحالي 2016، والتي تمكنت فيها المعارضة السورية من فك الحصار المفروض على المدينة ما يشير إلى أن زمام الأمور سيبقى مرهونًا بسلطة أصحاب الأرض، كما يشير أيضًا إلى أن أية قوة أجنبية مهما امتلكت من معدات عسكرية متقدمة، لن تصل إلى اللحظة التي تكون فيها مطمئنة على وجودها ومستقبلها مهما أحكمت سيطرتها على الأرض.

الأمريكان أدركوا هذا الدرس جيدًا بكل مرارته وقسوته في مستنقعات الأرض الفيتنامية في ستينات وسبعينات القرن الماضي، ولكن بعد فوات الأوان، وبعد أن دفعوا خسائر بشرية من المقاتلين وصل عددهم لحدود خمسين ألف جندي أمريكي، إضافة إلى عشرات المعاقين، فاكتشفوا بعدئذٍ عجز الآلة العسكرية الضخمة التي استعملوها أمام سلاح الإرادة الذي كان بحوزة الفيتناميين أصحاب الأرض.

على ذلك فإننا عندما نحاول أن نعقد مقارنةً ما بين الروس والأمريكان في مسألة الموقف من التدخل العسكري، يبدو الحال مختلفًا بشكلٍ واضحٍ بينهما، آخذين بنظر الاعتبار الفارق الجوهري في طبيعة النظام السياسي ما بين البلدين بالشكل الذي يمنع شخصًا أن يبقى على كرسي الحكم في أمريكا لأكثر من دورتين انتخابيتين لا تزيد مدتهما أبدًا على 8 أعوام، بينما طبيعة النظام في روسيا أتاح لبوتين أن يبقى في الحكم لمدة 15 عامًا، بعد أن خاض أكثر من دورة انتخابية شاب معظمها الكثير من علامات التزوير لصالحه «تولى السلطة بشكل رسمي في 26 مارس عام 2000»، ولعل الفارق بين النظامين هو الذي أعطى للنظام في أمريكا حصانةً قويةً عبر جملة من الآليات الدستورية بموجبها لا يستطيع أي رئيس أن يدفع بالبلاد -وبقرار شخصي منه- إلى أن تسقط في أخطائها مرة أخرى، كما هو الحال مع بوتين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد