بعد انهيار الاتحاد السوفييتي «السابق» عام 1991. ذاقت روسيا مرارة التعامل كقوة عظمى، إذ تعامل الغرب معها، خصوصًا في مرحلة حكم «بوريس يلتسين» بمنطق المهزوم، وتحولت إلى قوة إقليمية عادية من الناحية العسكرية، وقوة على وشك الإفلاس من الناحية الاقتصادية، ماجعلها تفقد نفوذها وتأثيرها السياسي على الساحة الدولية. فقدت كل مقومات قوتها التي كان الجميع يخشاها وينصت لها بإمعان، وكذلك عانت من الأزمات الداخلية، سواء اقتصادية أوسياسية، كحرب «الشيشان»، التي استمرت لفترة غير قصيرة، على الرغم من ظهور روسيا باعتبارها وريثة للقوة السوفيتيية، فقد ورثت عن الاتحاد السوفييتي «السابق» قوة عسكرية هائلة وترسانة ضخمة من الأسلحة النووية، بالإضافة إلى امتلاكها مخزونًا هائلًا من النفط والغاز والمواد الاستراتيجية الأخرى. والسفارات والاتفاقيات الدولية، وكذلك الديون على الدول الأخرى، كل هذا «كما يرى عدد كبير من علماء السياسة الروس» لم يمنع من مواجهتها لتك الأزمات الاقتصادية والسياسية منذ بداية التسعينيات وحتى عام 2000.

إذ بدأت سياسة النهوض، برأي البعض الآخر من السياسيين الروس، لا سيما منذ تسلم فلاديمير بوتين الحكم في روسيا.
روسيا التي اندفعت بشراهة نحو الغرب في عهد يلتسين على أمل أن يخلصها هذا الاندفاع من مأزقها الاقتصادي وتخبطها الداخلي، لم تنل سوى حفنة من الدولارات المقيدة بشروط صعبة لا تتناسب مع كبرياء وطموح موسكو.

واليوم يحاول فلاديمير بوتين أن يقود بلاده نحو علاقات شراكة استراتيجية عميقة مع قوى أخرى لها الطموحات الروسية نفسها وترى أن وزنها وقوتها تؤهلانها لتكون لها كلمة في صنع أوضاع العالم، وأن لا تكون مجرد تابع للآخرين، وبما يفضي إلى استعادة شيء من دورها السابق في العالم. لذا فإن عودة بوتين لمنصب الرئاسة لستة أعوام مقبلة حتى عام 2024. تؤكد ما يعتقده الكثير من الخبراء والمحللين السياسيين الروس، من أن روسيا تتجه وبقوة على يد بوتين الرئيس الجديد للعودة لدور الدولة العظمى على الساحة العالمية، وعلى احتمال كبير بعودة نظرية توازن القوى في المجال الدولي.
هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، لاينكر عدد آخر من علماء السياسة الروس، أن عودة بوتين إلى قيادة الكرملين أزعجت الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من حلفائها الغربيين، لأنها نسفت أمالهم في أن يتولى السلطة في روسيا سياسي غير مشاكس للسياسة الأمريكية يكون قريبًا في اختياراته من بوريس يلتسين أول رؤساء روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. على سبيل المثال المعارض الروسي الشاب «ألكسي نافالني».

لا يختلف أنصار وخصوم بوتين، أنه في سنوات حكمه خلال 18 عامًا، صعدت روسيا في مجالات عدة، وخاصة في المجال العسكري.

فشعار بوتين صعود روسيا بوصفها قوة عظمى، كما «يعتقد عدد من المعلقين الروس» لا يرمي إلا لبث الارتياح في صفوف بعض الروس المؤيدين لبوتين وسياساته، ولصرف الأنظار عن المشاكل الداخلية، وعن أعمال الفساد في السلطة. فمع تراجع معدلات المواليد ولعدة أسباب منها: السكر، وتعاطي المخدرات، وانتشار الجريمة، وتفشي الأمراض الخطيرة، وانتقال العدوى، وتدني المستوى الصحي العام، يبدو المستقبل الديمغرافي لروسيا مظلمًا.

إضافة لذلك، يعاني الاقتصاد الروسي من وضع مترد، بسبب تراجع العائدات النفطية وتنامي ضم أراضي جديدة للبلاد، والمبالغ الضخمة المطلوبة للإنفاق على المشاركة في الحروب، وسباق التسلح، وهدر أموال كبيرة من الميزانية الروسية على مشاريع ضخمة، لا يستفيد منها الاقتصاد الروسي، كالإنفاق على مشاريع رياضية، وهي عبارة عن مشاريع تبيض أموال الفساد لبعض المسؤولين الكبار في الحكومة الروسية، والمقربين من النخبة الحاكمة، المحسوبين على المافيا الروسية، مع مستوى غير مسبوق من هروب رؤوس الأموال أو الفساد الهيكلي والعقوبات الغربية وانحسار الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فقلة قليلة من الغرباء يرغبون في الاستقرار في روسيا أو إيداع أموالهم في بنوكها. وعلى النقيض، حتى الآن يهاجر الآلاف من الروس إلى أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية كل عام، ومن لم يهاجر منهم يقوم بإرسال أمواله إلى لندن أوفرانكفورت أو نيويورك، وأيضًا إلى قبرص، وحتى أقرباء وأولاد وعائلات المسؤولين الروس الكبار، يعيشون ويدرسون ويستثمرون أموالهم في الغرب وفي أمريكا.

وكالات الأنباء الغربية ووسائل الإعلام المهيمنة عالميًا، في تحليلها لتولي بوتين رئاسة روسيا، ركزت على وجود انقسامات عميقة داخل البلاد بسبب عودته إلى الكرملين. وذكر معلقون غربيون أن بوتين يعود للسلطة وقد ضعفت سلطته بسبب الاحتجاجات الشبابية التي شملت كل روسيا وتركته يواجه معركة حقيقية لإعادة تأكيد نفسه أو المجازفة بأن يهمشه قطاع الأعمال القوي والنخبة السياسية التي يعتبر تأييدها مهمًا.

إن الوقائع الأخيرة، برأي البعض من المحللين، بينت تراجعًا كبيرًا في تأييد حزب السلطة «روسيا الموحدة» وشهدت مدن روسيا عدة تظاهرات غير مسبوقة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، والملاحظ أن قادة الاحتجاجات والمشاركين فيها ينتمون لأبناء الطبقة الوسطى، التي قوي ساعدها أثناء فترة حكم بوتين، وقد هزت هذه الاحتجاجات «صورة بوتين»، ومما لا شك فيه أنه بغض النظر عن حجم المعارضيين، فإن بوتين مضطر في الفترة المقبلة من حكمه للتعامل مع مطالبهم، وسحبه الحجج منهم وذلك عبر تسريع عملية تحديث الاقتصاد والقضاء على الفساد في السلطة، وإيجاد حلول أكثر نجاعة وفاعلية للمشاكل المختلفة، والتركيز على الداخل الروسي.

إن أسعار النفط والغاز التي كانت مرتفعة في ذلك الوقت، ساعدت بوتين على ترسيخ نظامه وسلطته الشخصية، لهذا السبب ولأسباب أخرى، كما يقول المحللون، لم تصل المعارضة السياسية الحقيقية إلى السلطة في روسيا.

ويتكهن عدد كبير من المحللين وعلماء السياسة الروس، صعوبة حصول المعارضة الروسية في المستقبل على السلطة، خاصة بعد تراجعها في الفترة الأخيرة، لأسباب كثيرة منها، استمرار تمتع فلاديمير بوتين بتأييد مجموعات غير قليلة من الأنصار وأصحاب المصالح الذين يدافعون عن نظام بوتين، الذين ما زالوا يعتقدون أن بوتين بعد عودته من جديد إلى الكرملين سيجري إصلاحات سياسية واقتصادية هامة تخلص روسيا من الفساد وتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

ويقول محللون وعلماء سياسة روس، أن أحد أهم مقومات تحسين مركز روسيا داخليًا وخارجيًا هو نجاحها في تقليص هيمنة الولايات المتحدة على الصعيد الدولي والعودة إلى عالم ثنائي أو متعدد الأقطاب، والتركيز على هذا التوجه، من وجهة نظر أخرى، سيضع موسكو أكثر من أي وقت مضى منذ انهيار الاتحاد السوفييتي «السابق» في مسلك تصادمي مع أمريكا والغرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد