ديستوبية الأفكار

هنا حيث بدأ الأمر برمته .. هنا حيث لا مكان للتفكير فى خزانة المكتب هذه

كل يوم تكتب لى الحياة من جديد لأستيقظ على ذكريات الماضى والحاضر وأقذف بهما فى أول مرحاض يصادفني، ومن ثَمّ تصادفني الأفكار الشيطانية بدورها والتى أعجز عن التفكير عنها فى أى مكان آخر .. وكيف لا والمراحيض منبع الأفكار تمامًا كالخيال؟
وأحيانًا لينتابني شعور الرغبة فى عدم الوجود مثل شعور أحدهم عند البعث وهو يقول: يا ليتني كنت ترابًا.
وربما لأعيش عمري الآن أتجنب ما وصلت إليه بكامل إرادتي.

هنا أشعر بالرتابة .. هنا أحاول العمل على وجود ترياق لفراغ الوجود

رأيت حياتي بأسرها كما لو أنى عشتها .. استعراض لا متناه من الأمسيات، حفلات الرقص، تنزه اليخوت ومباريات البولو، نفس المتملقين وذات المحادثات التافهة .. شعرت أنى أقف على شفى الهاوية وما من أحد ليشدني ليس من أحد يحفل لأمري، وما من امرئ حتى يلاحظنى .. لا أفكر فى العودة مطلقًا، ولكن أحيانًا فى ظلمة من الليل كالحة أنتظر مدمنى الكحول إلى أن يغيبوا عن الوعي وأندس بينهم بخفة ربما يمرر أحدهم يده برفق على رأسي.

مثل حجر يتدحرج .. مثل نكرة كاملة

 حياتي لا شئ إذ ما قورنت بحياة أحدهم .. هنا فى عالمى أقتسم الحزن مع السجائر وأحتمى بسيمفونية لبيتهوفن وأتعفن مللًا فى تلك الغرفة التى لم أغادرها قط، بينما هناك فى عالم مواز ملئ بالعبث والصخب يلوذون بسحابة من الدخان يكاد يلامس عنان السماء مهنئين بعضهم البعض لكونهم سادة العالم .. والحقيقة أنى لا أكترث كثيرًا للفرق بين دكر البط وجبال الهيمالايا .. أقصد أن لدىّ كل ما أحتاج؛ فلدىّ أوراق فارغة للكتابة، وصديق أبله يمتلك حكمة الشيوخ، فلماذا أكترث بحياة البعض وقد ملكت العالم عنهم.

«إنى أعد الحياة هبة من الله ولا أود إضاعتها .. لا يتسنى للمرء أبدًا معرفة من قدرت له الحياة أن يتعامل معه فى اللحظة المقبلة، لذا على المرء أن يتعلم اغتنام الحياة كيفما تأتى له لجعل كل يومٍ قيمًا» جايمس كاميرون 

هنا الذكريات قابعة بمكان ما .. هنا عندما يكون الموت هو المناص الوحيد

«ومع الوقت تدرك أن الدنيا سراب، خيال عارض قلما يبقى، فودكا بيضاء لذة للشاربين .. تسكر منها علك تتوب أو يخيل إليك من سحرها أنها تسعى بين نهدي محبوبتك كالشلال المتدفق لتصب فى نهر أفكارك الرصين، بينما هناك مليون بريق على صدرها ويعكس لك صورة من الذكريات القاتلة وسط أفكار مرئية صاخبة ومتناقضة .. وربما أغشى وجهك قطعا من الليل مظلما فتجسدت لك ساقطة لا تستجمع ملامحها وهي ترقص على أناملها فوق كسر الزجاج المتناثرة وتغنى لكون ساذج على صوت مزيكا تكسر الإيقاع .. ثم تنهض مفزوعا على إثر كابوس راودك لتوه تجحظت له عيناك بشدة بسبب هول ما رأيت ..»

وفجأة تتوقف الحياة وتبدأ أخرى فور رهن إشارتك فى أبهى صورها، نعم .. لقد أوشكت اللحظات الأخيرة لينتهى بك المطاف ثملا وحيدا أيها السكير المفعم بالحياة.

الحياة شبه متوقفه، والعقل أصابه شئ من الجنون، والقلب قد أضناه العشق، والنفس تهوى، والفم يتمتم بما يجول فى الخاطر، والخوف يساعد فى إزهاق الروح، والروح تلملم أشلاء ما تبقى وتلوح مودعة الجسد، والموسيقى تفقد صوابها وتخرج عن مقطوعتها السيمفونية لتكتب خطاب حار شديد اللهجة إلى السماء معلنة الوصول، والحروف تقدم التعازى الحارة على طريقتها ثم تتلاشى، والأصحاب يخرجون فى نزهة بينما صديقى الأبله يغلق بابه ويعتزل العالم، والملائكة تصلى من أجل أن يرأف العذاب بحالي نظرا لمكانتي المرموقة عند الرب، والأم تصرخ وراء الستار المسدل على باب المسرح غير قادرة على الفراق .. بينما أحدهم يخرج من لوحة فيها الكثير من الوجوه ليغلق الستائر وينتهى العرض!

تواتر الزمن وكمّ من العزاء

ليلة أمس كنت نائمًا فى انتظار ميلاد يوم جديد، وها أنا لآن على حافة القبر أودع العالم وأنعي نفسي .. يبدو أن الحياة تمازحنى فخالجتنى الشعور لتجعل من جثتى رفاتا بعد إشعالها ينثرها القوم يوم زفافى .. وإنى لشاكر لهذا فلم أنعم بنوم مريح هكذا منذ زمن !وتبقى الفودكا ملفوفة القوام لتطرح تساؤلًا عدميًا: ماذا لو أن العالم بأسره مجرد حلم طويل تستيقظ منه على حين غرة ثم تغفو ليتسنى لك حلم جديد؟

وإلى هنا ينقطع حبل أفكاري ربما لخروجى المفاجئ من المرحاض .. أعتقد أنه قد حان الوقت لإبرام عقد مع المراحيض بشأن الاختلاء مع أفكاري لأطول مدة ممكنة لتسوية الجزء القاتم من القصة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد