لعل السلوك الإنساني يتمثل ضمن سلسلة من الأفعال وردود الأفعال التي تصدر عن الإنسان في محاولته لتحقيق أهدافه المرجوة والمتجددة.

كذلك هي الأفعال التي يعبر عنها الإنسان، فالشعور بالقيم يعد مصدرًا للسلوك وليس العكس، وذلك كون القيم مصدر السلوك الحسن الذي هو غاية السلوك الإنساني.

ومع تقدم الحضارة المادية نتج من السلوك الإنساني تغير واضح، كذلك رافقه تغير في سلم القيم وإنتاجها، لنجد أن أحد العوامل التي ساهمت في تغير السلوك والقيم هو الفراغ، حيث إن الفراغ داء قاتل للفكر والعقل والقلب، فهو ذاك الشعور والإحساس الذي يشعر به الفرد ويلامسه مع نفسه نظرًا لحاجته لشيء ما.

فقد يشعر الفرد بأنه بحاجة إلى المال لتحقيق بعض أهدافه، أو شراء بعض مستلزماته، وفي هذه الحالة فإنه يعاني من الفراغ المادي.

وربما يكون الفراغ أيضًا فراغًا عقليًّا؛ دينيًّا؛ ثقافيًّا؛ اجتماعيًّا؛ عاطفيًّا؛ أخلاقيًّا، أو سياسيًّا، وقد يكون الفراغ على مستوى الفرد؛ الأسرة؛ الجماعة، أو المجتمع، أو على مستوى أمة بأكملها. وقد ينتشر الفراغ الأمني على مستوى الأمم والشعوب.

لقد مثلت حالة الفراغ عند اليونانيين القدماء «بأنه فكرة تقوم على التربية بتنمية النفس والروح أكثر مما قامت على فكرة الوقت الحر، فكان المعنى الأصلي للكلمة Schoie هو السكون، أو السلام، ثم أصبح معناها بعد ذلك، الوقت الذي ينبغي قضاؤه كفراغ، أو الوقت الذي يخلو فيه المرء لنفسه».

ولكن بعد ذلك وفي عصر سمته السرعة في كل شيء أصبح الفراغ يمثل أحد الأسباب الرئيسية لتراجع السلوك الإنساني وتغير في سلم القيم خصوصًا في العديد من المجتمعات العربية التي تعيش اليوم ضمن تحولات مريبة على مستوى السلوك ومنظومة القيم، فقد اتسمت الحضارة المعاصرة بحضارة الفراغ، وذلك تعبيرًا عن طابع الحضارة المتمثل في انتشار تلك الظاهرة، ليصبح الفراغ مفهومًا نفسيًّا اجتماعيًّا. ولتكون حالة الفراغ إحدى الحالات المرضية التي إما تعود للذات، وإما الواقع المعاش.

وعلى اختلاف التسمية اللفظية والإصلاحية لكلمة فراغ، وتعدد التعريفات في مختلف العصور، فإنني قد وجدت في تعريف أبي علي مسكويه المهتم بالأدب والفلسفة والكيمياء، تعريفًا أقرب لفهم بعض الأبعاد التي يرمي إليها مصطلح الفراغ فيقول: «إن النفس لا تعطل الجوارح إلا عند النوم، والعقل يستهجن البطالة، ولا بد من تحريك الأعضاء في اليقظة إما بقصد وإرادة وبصناعة ولأغراض مقصودة وإما بعبث ولهو عن غفلة وسهو».

لنجد من هذا التعريف أن الفراغ يحمل معه جوانب إيجابية وأيضًا سلبية، وعلى الرغم من تطور الدراسات والبحوث العلمية، خصوصًا في النصف الثاني من القرن العشرين. ولكن هل نجحنا في استثمار أنشطة الفراغ في المجتمعات العربية، وهل أفرز بذلك أنماط سلوكية إيجابية، وما شأن الوسائل المتطورة في مساعدتها باستثمار أوقات الفراغ؟

في الواقع أن التبلد الفكري وثخن العقل، والأفكار الرديئة التي نشاهدها في كل يوم تعبر عن شخصيات ناقصة فارغة ليست لها حدود، وليست لها ضوابط، فبعد سيطرة الرأسمالية على المجتمعات النامية وتطور الحضارة المادية، أصبح الفرد مجرد رقم، أو رمز ليصبح جزءًا من عملية إنتاج تحقق ربح أكبر، إضافة لدخول العالم لمراحل متقدمة جديدة من الرأسمالية والتي سماها عالم الإجتماع الفرنسي جيل ليبوفتسكي «مرحلة الاستهلاك العالي».

وكون واقع المجتمعات النامية والفقيرة مهزوزًا سياسيًّا؛ اقتصاديًّا؛ عسكريًّا، كذلك انتماؤنا للعالم الثالث جعل من مظاهر الفراغ أكثر خطورة على الصعيد الثقافي، والأخلاقي، والاقتصادي والإنتاج، والتربية، لنحصل على عصر مليء بكافة أشكال وأنواع الفراغ، من فراغ العقل والنفس، والقلب والقيم والمبادئ، وبدون شك طمس إنسانية الإنسان لتكون حضارة الفراغ سمة المجتمعات العربية، فقد أدى تفاقم أوضاع هذه الحضارة للعديد من الحروب السياسية والاقتصادية، وتراجع كبير في مجالات الثقافة والفن والأدب والشعر.

ومن حيث إن الحضارة في حقيقتها تمثل القيم الثقافية والأخلاقية، والاقتصادية والإنتاجية، فإن أي تفكير في مشكلة الحضارة هو في الواقع تفكير في المشكلات الاجتماعية والثقافية والأخلاقية، وحتى الاقتصادية والسياسية، كما أن ابتعادنا عن مكونات ثقافتنا الأصيلة وعدم فهمنا لها وعدم التركيز باستثمار أوقات الفراغ ضمن هذه الاتجاهات لكسب مناعة ولقاح ضد كل السموم الفكرية الداخلة على ثقافتنا وبلداننا، خصوصًا أن النفس تستهوي كل ما هو جديد، جعلت من مظاهر الفراغ بكل اعتباراته وضعًا ملائمًا لنفوس متأزمة وعقول فارغة، عاطلة، وأفكار مبعثرة معرضة لجميع الاجتياحات والعواصف القادمة من الخارج.

وعلى ضوء ما تقدم نجد أن الجهل والتخلف هو نتيجة أيضًا لوجود أنظمة سياسية واجتماعية، وتعليمية تقع فريسة مرض الفراغ والجمود والركود، فضلًا عن إغفال النواحي الروحية والأخلاقية والأدبية، التي تعد جوهر الحضارة. ولا شك أن الاستبداد السياسي الممارس في الدول العربية أوجد بيئة ملائمة لكل أشكال الفراغ منهم الفراغ الأمني كالعراق وليبيا وغيرها من الدول التي حصدت حروب عبثية أدت بظهور أنماط قيمية وسلوكية جديدة، ليستفيد منها تجار الحروب لخلق عالم الاستحواذ والنهب. فكان أثر الثقافات المشوهة مفتوحة على احتمالات كلها تقع بين شد وجذب صريعة فراغ، وحيرة، وبلبلة.

ومع ازدياد تقدم مظاهر الحضارة المادية كما ذكرنا سابقًا وتراجع مظاهر الحضارة المعنوية المتمثلة في الدين والقيم، والأخلاق، نجد الانحراف والفساد مقسمين لقسمين عند الدكتور محمد ياسر محمد الحسين إلى:

1. الانحراف عن الحق في المفاهيم الفكرية (التصور).

2. الانحراف عن الحق في التطبيقات السلوكية (الفعل).

لنجد أن سبب تراجع القيم الإنسانية هو الانحراف في المفاهيم الفكرية والسلوكية في آن معًا، مما أضاف المزيد من الاضطراب والتخبط داخل المجتمعات العربية.

ومن الفراغ الأخلاقي إلى الفراغ التربوي وعدم وجود برامج وخطط متدرجة ضمن المجال التربوي والتعليمي، ليكون جهل الفرد بنفسه وبقيمته وتشويه حقيقته وعدم معرفة سبب وجوده هو الواقع السائد.

كذلك الوضع الاقتصادي والإنتاجي المحدود الموارد كالماء والغذاء والكساء، فسنوات عديدة من القمع السياسي والفراغ الأمني في الدول العربية، قد ساهمت في تفاقم وولادة صراعات جديدة تمثلت في أنماط سلوكية سلبية على شرائح  واسعة من المجتمع مثل ازيادة معدل السرقة والاختصاب والاعتداءات الجنسية وغيرها الكثير، ليكون نتائج ما حصدناه عالمًا عربيًّا متأزمًا في كل شيء.

إذ إن الفراغ الفكري فتح أبواب الصراع على عقول الشباب من تسرب الفكر المتطرف أو الفكر الإلحادي.

إن الأسئلة التي نطرحها والأجوبة التي سنحصل عليها تعتمد على إحساسنا بمن نكون وإلام نسعى، وإذا ما نظرنا إلى حياة المجتمعات العربية وكيفية قضاء أوقات الفراغ، نرى أنها تتركز على تقبل أي اهتمام، فقد أصبحت وسائل الإعلام المتقدمة وتكنولوجيا الاتصالات المتطورة تستهلك جزءًا كبيرًا من وقت الإنسان المعاصر، فضلًا عن سلبية التعاطي ضمن جانبي استهلاك الوقت دون حدود، وسوء الاختيار، وسلبية التلقي.

إن ضعف المنطلقات الفكرية لدى الشباب تعود إلى الثورة التكنولوجية المتسارعة ومواقع التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت السوشيال ميديا مرجعية فكرية لدى أغلب الفئات العمرية من الشباب يستمدون منها كل مصادر معلوماتهم دون التحقق من صدق المعلومة، لتشمل في ذلك هوية فكرية لديهم، إضافة لنشر الكراهية بين فئات المجتمع، ذلك استغلالًا لحرية التعبير الموجودة في الإنترنت، بل ظهور آثار منها التنمر الاجتماعي عبر الإنترنت، فهنالك أشخاص تستثمر الفراغ في أناس أخرى أكثر جهلًا وبطالة.

وعن فيلم «The Social Dilemma»  للمخرج جيف أورلفسكي الذي عرض في أواخر سنة 2020 على شبكة «نتفليكس»، فقد تحدث الفيلم عن عالم وسائل التواصل الاجتماعي من خلال شهادات لشخصيات عديدة كانت تعمل في أهم وأقوى الشبكات العالمية، فيما صور الفيلم كيفية التلاعب والتعامل في تشكيل وعي الفرد والمجتمع والتأثير في آرائه لاستخدام كل تلك المواقع والمشاركة بها ولكل الفئات العمرية المختلفة.

وغير ذلك أيضًا، ولكي تصبح من الشخصيات المعروفة والمشهورة على «يوتيوب» يكفي أن تمتلك كاميرا وإنترنت لتخرج وتنشر عن أي موضوع دون الاكتراث للمحتويات الفارغة والتخاريف التي اختزلت علاقتنا الاجتماعية لتصبح أرقامًا تحقق أرباحًا في كل يوم على «فيسبوك» و«تويتر»، و«يوتيوب» و«إنستجرام»، وغيرها الكثير وظهور «تيك توك» مؤخرًا وزيادة انتشاره وتثبيته في العالم العربي فضح عمق حضارة الفراغ في التطبيق الواقعي، والانحلال الأخلاقي المباشر والإيحاءات غير اللائقة في إظهار كل ما هو سطحي وسخيف.

إذا كيف لنا التعامل مع تصاعد أحوال تلك الحضارة لوضع حد في ظل اختصارنا بعمق مظلم من عالم التكنولوجيا المتسارع؟

يبدو لي أنه لا مفر من تكنولوجيا الاتصالات، فقد أصبحت بوصلة تقود كل أوقاتنا، وأهدافنا، وحتى اختياراتنا، فيما تسعى أيضًا لتغير أذواقنا، إلا أنه علينا تخفيف نتائج هذه الحضارة، ولعلني أجد في سومنا دواء لنا فتكنولوجيا الاتصالات لها وكما ذكرنا دور متزايد الأهمية، فلماذا لا ندعم الصفحات والأشخاص الذين يسعون للارتقاء بالذوق العام، فلا بد لنا اليوم من قضاء بعض الوقت على الإنترنت، فيما نحرص على عدم استهلاك كل الوقت على حساب أمور أخرى في يومنا، إضافة لذلك علينا تدارك مسألة تحويل الواقع الذي بدأ بكونه واقعًا افتراضيًّا ليصبح فيما بعد عالمنا الحقيقي بكل محتوياته. وهنالك مهام على الأسرة ومن ثم المدرسة والمجتمع، فعلى الأسرة ومن خلال التوجه والإرشاد والتربية:

1. إشغال الفراغ بما يدخل للقلب السكينة والاطمئنان.

2. انتقاء الأفلام والألعاب والمحتويات الهادفة والتي تبعث المرح والتسلية.

3. تدريبهم على الأساليب الأخلاقية لتلقي ما هو مسيء وما هو جيد بعيدًا عن التنمر والعنصرية على الآخرين.

أما شأن المدرسة والمجتمع:

إن الانتشار السريع لسخافة المحتوى وتفاهته على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تزداد في كل يوم لتجعل من الحمقى «تريند» في السوشيال ميديا، مستغلين لما جهلت وفشلت الأسرة في تنميته أصبح التوجه إليهم بغير جدوى، بل على العكس، فبالرغم من الانتقادات اللاذعة التي تصل لهم فهم لا يعبأوا بما يقال عنهم ظنًّا منهم أن من ينتقدهم هم أناس حاسدون تحركهم الغيرة فقط، لذا فالسكوت عنهم لعدم نشرهم أكثر على مواقع التواصل الاجتماعي، وأن نكتفي فقط بتسليط الضوء على محتويات هادفة وليست هادمة.

وليس هذا فحسب بل إيصال الدعم المعنوي والنفسي والاجتماعي من خلال التعليقات والمشاركات على السوشيال ميديا لأصحاب المحتويات الجيدة وغير المبتذلة في الطرح والتقديم والتي لا تسيء ولا تشوه الثقافة والفن في عقولنا، وذلك لكي يستمروا على حساب من يعتقدون أن تربية جمهور المراهقين على هذه السلوكيات والقيم يضمن لهم جمهورًا طويل الأمد في مستقبل مليء بالأرباح.

وفي النهاية لا بد لنا من التأكيد على أن تسليط الضوء على النشاز الاجتماعي يجعل منه قاعدة ضمن أوساطنا الاجتماعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد