لمن لا يعرف مخطوطة فوينيتش هو كتاب يحتوي على رسومات وكتابات بلغة غير معروفة، لكاتب ما زال مجهول الهوية إلى الآن، بعد عقود من محاولات فك لغز هذه المخطوطة. وقد سميت بهذا الاسم نسبة لبائع كتب نادرة أمريكي اسمه ويلفريد فوينيتش. الذي وجدها في دير إيطالي، وامتلكها لفترة من الزمن، وحاول فك لغزها. والمخطوطة موجودة حاليًا في مكتبة بينيك للمخطوطات والكتب النادرة في جامعة يال. وهي المخطوطة الأكثر طلبًا للمشاهدة من قبل الزوار نظرًا للغموض الذي يحيط بها.

ويعود تاريخ كتابتها للفترة 1404-1438، وتم تقدير هذا التاريخ بعد استخدام فحص الكربون، من قبل العلماء في جامعة أريزونا فتم تحديد هذه الفترة التقريبية. أما في ما يتعلق بمكان نشوئها فبناءً على الرسومات الموجودة في المخطوطة من تسريحات وملابس وقلاع، فيعتقد على الأغلب أنها نشأت في أوروبا. أول مالك معروف لهذه المخطوطة هو جورج باراسيتش، وهو خيميائي عاش في القرن السابع عشر. ثم اختفت المخطوطة لمدة 200 سنة، ولم يعرف مكان وجودها أو مالكها. إلى أن وجدها فوينيتش في دير إيطالي. وبعد أن مات ورثتها زوجته، والتي منحتها قبل وفاتها لصديقة مقربة، قامت بدورها ببيعها لبائع كتب آخر، منحها في النهاية عام 1969 لمكتبة جامعة يال، بعد أن فقد الأمل في إيجاد مشترٍ لها.

تتكون مخطوطة فوينيتش من 272 صفحة، ولكن الدلائل تشير إلى وجود فجوات وصفحات مفقودة من الكتاب، وعلى الأغلب فإنه تم تغيير ترتيب الصفحات الأصلية للمخطوطة أكثر من مرة. النص مكتوب من اليسار لليمين ولا يوجد به أي علامات ترقيم. وبناء على المسافات بين المقاطع فقد تم تقدير عدد الكلمات بـ35000 كلمة. وقدر عدد الحروف ما بين 20-30 حرف. لا تشبه حروف المخطوطة أي أبجدية معروفة، وتختلف كثيرًا عن اللغات الأوروبية، وإن اعتبرت أقرب للغات السامية. وبناءً على شكل الكتابة يتضح أن الكاتب كان متمكنًا من اللغة، ومن معلوماته، فلم يوجد أي خربشات أو إلغاء لأي كلمة.

لقد وجد الباحثون أن أحرف المخطوطة تتميز بتوزيعها الغريب على الكلمات، فبعض الحروف لا تظهر إلا في بداية الكلمة، وبعضها في الوسط أو النهاية فقط. لكن ما ساعد حقًا على فهم محتويات المخطوطة هو الرسومات، التي كانت موجودة على جميع صفحات المخطوطة ما عدا الصفحات الأخيرة. فقد تبين أن الكتاب مقسم لستة أقسام، بناءً على مجموعات الصور الموجودة، والتي تنوعت ما بين النباتات، والفلك، وصور لنساء عاريات، وصور لبعض أعضاء جسم الإنسان، ورسومات لأجزاء النباتات وغيرها. لذا تم ترجيح أن الصناعات الدوائية هي الموضوع الرئيسي للمخطوطة.

ورغم كل الفرضيات والنظريات والمحاولات لفك لغز المخطوطة، ما تزال تعتبر لغزًا إن كان من حيث اللغة أو من حيث كاتبها. فقد تعددت الفرضيات وتشعبت إلى درجة وصول أصحابها إلى نسبتها لكائنات فضائية، أو أنها مكتوبة بلغة الملائكة، كما اتهم البعض المخطوطة بأنها كتبت على يد شخص مهووس، وأنها بلا معنى، والهدف من ورائها إحداث ضجة حولها وحسب. وهناك من قال بأنها من أعمال سحرة ومشعوذين وأنها مكتوبة بلغة الجان.

من الفرضيات الأكثر انتشارًا نسبة المخطوطة للفيلسوف والراهب الفرنسيسكاني الإنجليزي روجر بايكون، وهو أول من أسس المنهج العلمي في أوروبا. إلا أن العارفين بأسلوب بايكون، رفضوا هذه الفرضية تمامًا واستبعدوها. وهناك من اتهم فوينيتش بأنه هو من نسب المخطوطة للراهب بايكون، بهدف تسويقها وبيعها بمبلغ كبير.

من الفرضيات المشهورة أيضًا كتابة المخطوطة على يد إدوارد كيلي وهو خيميائي، وقد ادعى أنه قادر على رؤية الملائكة باستخدام نوع من البلورات، وأن لغة الملائكة تدعى اللغة الإدريسية – نسبة للنبي إدريس عليه السلام – وادعى بأنه على علم بهذه اللغة. ويقال بأن كيلي أنشأ هذا الكتاب وادعى معرفته بلغة الملائكة ليخدع الإمبراطور في ذلك الوقت ويبيعه المخطوطة بمبالغ طائلة.

ونسبت أيضًا للمعماري الإيطالي انتونيو افريلين، الذي هرب إلى إسطنبول في عام 1465، وقيل إنه قام بكتابة هذه المخطوطة ووضع فيها كل علومه مستخدمًا طريقة الشيفرة.

ورغم كثرة المحاولات لمعرفة مؤلف المخطوطة، إلا أن محاولات معرفة ما تعنيه واللغة المكتوبة بها كانت أكثر. فعلى مر السنوات، حاول عدد كبير من العلماء والمختصين ترجمة المكتوب في المخطوطة. ومن أحدث المحاولات التي قام بها بروفيسور اللغويات التطبيقية في جامعة بيدفوردشاير ستيفين باكس في عام 2014، فقد ادعى أنه تمكن من فك شيفرة بعض كلمات مخطوطة فوينيتش، وذلك باستخدام الأساليب العلمية التي استخدمت لفك شيفرة الكتابة الهيروغليفية. فقد أعلن أنه تمكن من التعرف على أسماء بعض الأعشاب والنجوم التي وردت في المخطوطة، بعد مقارنتها بلغات مثل العربية وغيرها.

أما غريغ كوندراك وهو عالم كمبيوتر كندي اعتمد في فك رموز المخطوطة على خوارزمية إحصائية. وتوصل إلى أن اللغة المستخدمة في المخطوطة هي اللغة العبرية القديمة، والتي تعتمد على الخلط في ترتيب الحروف بكل كلمة، وإسقاط حروف العلة. كما تمكن من ترجمة الجملة الأولى من النص على النحو التالي:

إنه قدم توصيات إلى كاهن، ورحل من المنزل، وأنا والشعب

كما يتضمن النص كلمات مثل المزارع، والضوء، والهواء، والنار. وما زال عاكفًا على فك غموض كامل المخطوطة.

إن مخطوطة فوينيتش تحتوي على الغاز لا حصر لها لا تقتصر فقط على اللغة والكتب المجهولة، وإنما على أنواع النباتات المجهولة التي لم يستطع الخبراء التعرف عليها.

وهكذا ستبقى مخطوطة فوينيتش لغزًا وهوسًا لكل من سمع عنها، وسواء اعتبرها حقيقية أو اعتبرها شعوذة أو كتبت بلغة الملائكة أو الفضائيين أو حتى الجان. فالجميع لا زال يبحث عن معناها الحقيقي، وعن كاتبها المجهول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد