أعلم جيدًا أنه قد يغضب مقالي هذا الكثيرين، ولكني سأحكي تجربتي الشخصية جدًا التي قضيتها مع نحو خمس سنوات من التنقل بين مشاريع العمل التطوعي والعام، وتلك التجربة ما لها وما عليها جعلتني أصل لاقتناع شخصي، وهو أننا في مصر نكسر الحائط الخرساني بحثًا عن الحليب الأبيض.

البداية:

بدأت رحلتي في العمل التطوعي منذ كنت في السابعة عشر من العمر، كان انتباهًا من نوع خاص، أن تنتبه بأن لك قيمة بأن كل ما حولك يمكن أن يتغير، بأن بإمكانك أن تصنع شيئًا من أجل الآخرين، أن رياح التغيير قادمة تحمل زهورًا.

لم يكن يهمنا ماذا نفعل تحديدًا فنحن في البداية، والبداية لا بد لها من سقطات وثغرات، المهم أننا نتحرك، وتحرُكنا سوف يصقل عقولنا وأرواحنا بالتجارب.

صحبة صالحة وآمال عريضة بمستقبل مشرق يشع من هذه الوجوه البريئة الصادقة، والقلوب التي تخلو من أي ضغائن. تكاتف، ترحيب، دعوات الغلابة، فكرة تتبدد عن الشباب المستهتر، أمل أمل أمل.

التوسع:

كبرت المشاريع الوليدة التي تربت على أيدينا وكبرنا معها، ولكن هل كبرت وكبرنا حقًا؟

في هذه المرحلة الوسطى كنت أرى وبوضوح أفواه هذه المشاريع الكبرى تُفتح كالبوابات، تلتهم أحلامنا ووقتنا وجهدنا، وأحيانًا كثيرة أموالنا أيضًا، بلا طائل

تقريبًا.

كان يأتي المتطوع يريد و«يحب» أن يفعل شيئًا ما محددًا في العمل التطوعي، فيقال له لا بل نريدك في موقع آخر لأنه أهم مما تريد وتحب، ويبدأ المشروع في ابتلاع موهبته وتحويلها إلى ترس صغير يدور حلزونيًا في دوائر لا تنتهي.

وكان يأتينا المتطوعون (وأغلبهم من الطلبة) يريدون أن يتطوعوا بجزء من وقتهم الغالي جدًا، فتستقبلهم البسمات والكثير من «طبعًا مش هنقولك تعالى غير الأيام اللي تحددها»، ثم يبدأ الامتصاص، تليفونات لا تنتهي مشاوير في الحر والزمهرير، تأخير، إهمال للدراسة أو للعمل في سبيل إنجاز مهام المشروع، حتى ينسى المتطوع اسمه وحياته وتتأرجح أولوياته، حتى تنزاح جميعًا من أجل شعار المشروع المقدس.

النفخة الكدابة (مرحلة الانهيار)

ولهذا أوجه كثيرة، منها: أن يجلس صاحب فكرة المشروع في مكتبه المكيف، يفكر في أفكار خيالية لا تمت للمتطوعين المخلوطين بالتراب بصلة، ويطالب منسقي المشاريع أن ينفذوها بحذافيرها كي يحققوا «التارجت» المطلوب، ويشعل الحماسة بينهم بالمسابقات بين المحافظات والفرق، والوعد بالتكريمات والتصوير مع فلان الفلاني واللقاء الفلاني مع القناة الفلانية، فينبهر المتطوع بالأضواء ويجري وراء التارجت الذي بالكاد يتذكر عن ماذا كان بالتحديد، وغالبًا ما يهمل المتطوعون في هذا الموقف إتقان العمل أو التركيز عما يصل حقًا وفعلًا للناس ويفيدهم، وينفق المتطوع القروش القليلة من جيبه التعس من أجل المشروع، في الحين الذي يجلس فيه الشائب صاحب الفكرة مع شركات الطباعة الكبرى ومتعهدي الحفلات كي ينظموا كيف سيقدمون جديد المشروع للإعلام وأصحاب الجيوب المكتظة.

في إحدى مرات تطوعي في برنامج للتبرع بالدم ، طلب منا أن تحقق محافظتنا عددًا كبيرَا من حملات التبرع بالدم، وعددا كبيرا من قاعدة بيانات المتبرعين بالدم في شهر واحد وبعدد من المتطوعين لا يزيد عن الخمس متطوعين، وعندما قلت إن هذا جنون ودعونا نطبق المشروع على عدد محدود من الحملات وليذهب «التارجت» إلى الجحيم، لم يسمع أحد ما قلت، ومضوا في التفكير في كيف «هنتشقلب» لنحقق لهذا المجنون صاحب الفكرة فكرته المجنونة غير المجدية بالمرة.

وأخيرًا والأهم هو: الشباب والبنات

في بلد لا يعطي الشباب والفتيات فرصة لإثبات أنفسهم والنجاح في أعمالهم والمضي في طريق مستقبلهم وخدمة الناس خدمة حقيقية، تستطيع بسهولة استغلال طيبة قلوبهم واحتياجهم الفطري للنجاح والانتماء إلى شيء كبير دافئ، وتمتصهم في خدمة مشروع سيكتب باسمك أنت في النهاية.

وتستطيع أن تفعل هذا خصوصًا لو أعطيتهم ثقة بالذات وتكريمًا واحتفالًا ومناصب خادعة لا تسمن ولا تغني من جوع، كمنسق مشروع أو مدير مراجيح مولد النبي، ولا مانع أن تعطيهم فرصة للسفر والفسح، فينخدع المسكين ويظن نفسه قد أصبح «فلانًا» الذي يُحكى ويُتحاكى به.

وعند ظهور أول شعرة بيضاء في رأسه، سيبدأ بالضرورة أن يتخلى عنه المشروع الذي يحتاج أشداء أقوياء من الشباب الجدد، ثم يقف مع نفسه ليتساءل: من أنا؟ أين حلمي؟ عن ماذا كان يحكي أصلًا هذا الحلم؟ ماذا حققت في عملي؟ أين كنت من عائلتي؟

للحق أقول، لقد تعلمنا كثيرًا من العمل التطوعي، وحقًا هو أصقل مهاراتنا، وهو أول ما وضعنا على الطريق، ولكن طريقة الإدارة بالزبادي والبطيخ التي يصر عليها محركو المشاريع الكبرى أضاعت الفرصة في استمرار هذا التطور في شخصياتنا، وحولته إلى ضغائن وبلالين منتفخة بالهواء، وقيل وقال وفلاشات كاميرات.

أصحاب أفكار المشاريع التطوعية يجب أن يفكروا ويعيدوا التفكير من جديد، ليروا هل حقًا يفعلون شيئًا هامًا؟ وماذا عادت كل هذه السنوات من العمل التطوعي على المجتمع، هل حققنا ولو جزءًا صغيرًا جدًا من التغيير الذي كنا نرجوه من المجتمع، وخصوصًا المناطق المهملة منه؟ فليتوقفوا ويسألوا أنفسهم: هل يمكن أن ندير الوقت والجهد والمال والبشر بطريقة أفضل، تجعل المتطوعين ينجحون في حيواتهم ويقدمون في ذات الوقت شيئًا من التطوع لأفواه المشاريع الضخمة، وطريقة أفضل تعود بالنفع الحقيقي على المجتمع بدلًا من إطعام الأفواه لإسكاتها، وتوعية القرى التي لا تعرف شبكات المجاري حتى، ضد مرض الالتهاب الكبدي؟ أم أنها أخذت من الغلابة لتعطي للغلابة في دائرة مفرغة لا نهائية.

هل توجد هذه الطريقة؟ بالطبع توجد ولكن لمن يبحث عنها.

أخيرًا أشيد بمشاريع أخرى صغيرة تطوعية يدريها الشباب بأنفسهم ومن منبع أفكارهم، يحاولون جاهدين أن يقدموا فكرة أو عملًا حقيقيًا وهم لا يملكون أي شيء، وأكثر ما يراعونه هو الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد