فمن يقضي أكثر من أربعة أعوام من عمره لخدمة العمل العام والأعمال التنموية وما شابه ذلك سُيدرك تمامًا كل نقطة نذكرها في المقال، فأتذكر لحظات عمري بالتفصيل الخمس سنوات في العمل التطوعي لخدمة فكرة عشت بها وأصبحت من أحد قناعاتي الأساسية وتحولت لثابت أعيش به وأعمل من أجله ولم أندم على دقيقة واحدة استهلكتها بكل شغف في سبيل هذا العمل وفي سبيل علو الفكرة ونشرها.

فيلتحق الشاب بالجامعة لأول سنة دراسية وبه ما به من أفكار ومعتقدات خصبة لم تشكل بعد فيصبح فريسة طيبة للطالب المخضرم صاحب الاحتكاك بالأشخاص الكثيرة والمتخلفة عنه وصاحب الردود الجاهزة على أي سؤال تطرحه عليه سواء ردود عقلانية أم غير ذلك المهم عنده أن يجاوب حتى لو غرس بك معلومة خاطئة.

العمل التطوعي من أفضل القيم التي نفتقدها بحياتنا في العالم العربي فحسب النسب المئوية لبرنامج خواطر الجزء الأخير تتصدر إسرائيل مقدمة دول العالم في قيمة التطوع، ولكن الأخطر من عدم وجود الثقافة هذه وجودها بشكل خطأ وتطبيقها على الأرض بآليات خاطئة تسبب في مشاكل كثيرة.

فمن عمل لأي جمعية أو بالأحرى شارك في تنظيم فاعلية واحدة لعمل عام يشارك فيه الطلبة ويقول أنه لم يستفد من هذا العمل فهو يعاني من خلل في مفهومه عن نظرية النفعية سواء كانت نفعه من المكان أو نفع المكان به فيفضل أن يعيد نظره، ويأتي السؤال الأفضل هنا ما هي حجم المنفعة التي تتطلب منك أن تقضى أعوامًا من عمرك في سبيلها؟ هذا السؤال هو الأفضل والأهم هذا السؤال يتطلب الوقوف منك كثيرًا عند نقاط معينة عن عمرك فيما تفنيه هل أنت مؤمن بالقضية حقا ومؤمن أنك تمتلك الوسيلة القوية لإحداث نموذج واضح ومتزن ليس ما أقصد به هنا وسيلة لتغير الكون فوالله ليس هذه الغاية لأننا لا نمتلك الوسيلة أبدا لها، النقطة الأخرى أنت فرد تعمل في منظومة فمن الطبيعي أن تخضع  لفكر وأهداف هذه المنظومة فهل تقبل كل الأفكار والقناعات بما يتناسب معك وما لا يتناسب أم تقف مع نفسك مثل النحل تأخذ ما يفيدك فقط؟ وهل دورك التنظيمي يسمح لك بهذا أم أنك تصبح مسؤولًا لا يجوز لك أن تنتقد المؤسسة التي تنتمي لها.

ننتقل لنقطة هي الأهم يقضي المتطوع أيًّا كان المكان الذي يعمل به بعد فترة ليست قصيرة يصبح مسؤولًا في المكان الذي يعمل به هل ذلك لكفاءته الفذة التي لم توجد في مثله أم أنه لم يوجد غيره يتحمل هذه المسؤولية فكما اعتدنا ألف باء مسؤولية أن يعرف الشخص صاحبها حجم المسؤولية التي يتحملها وحده هو كشخص من هذه المسؤولية لأننا كما تربينا وسمعنا ولكن لم نطبق أن المسؤولية في هذا الحيز تكليف وليست تشريفًا إطلاقا، فينتقل من مجرد متطوع يأتي وقتما يريد ويذهب وقتما يريد إلى شخص مسؤول عليه واجبات والتزامات مقابل الفكرة طبعا! فتطلب منه المنظومة الذهاب لجمع التبرعات أو الذهاب للانتهاء من المصلحة الفلانية وغدًا عنده امتحان فإن رفض تلومه المنظومة وتصفه بعدم تحمل المسؤولية بل وتقنعه أن ساعتين في قضاء حاجة الآخرين ستنفعه غدا بالامتحان ويصبح المسكين في معصرة الذنب وتأنيب الضمير فهذا ما لم أقسم عليه أن أتحمله لابد أن أضغط نفسي أكثر وأكثر من ذلك.

طبعا الفارق هنا مدى نضج المتطوع في التعامل مع الموقف فهذا الموقف بحذافيره إذا طبّق على شخص ذي أقدمية سيمتلك القوة والبيان والحُجة الكاملة للدفاع عن نفسه ببساطة لأنه دخل اللعبة وعرف ماذا يقول ومتى يقوله. هناك اشخاص نراهم من أول يوم عمل لهم في أي مكان أنهم محددون تمامًا وقتا ومجهودا فتسألهم يجيبون بمنتهى الثبات والقوة ولكن هم بالفعل أكثر نضجًا وواقعية لذلك هم للأسف قلة جدا مقارنة بالبقية.

أنا مؤمن تماما بأن الشخص الذي يعمل والذي يذهب هنا وهناك هو بكامل طاقته العقلية ومخيّر تماما فيما يفعله ولم يجبره أحد على فعل ذلك لكن رفقة وإرشادا لاصحاب الهمم العالية قبل أن يكرروا نفس الأخطاء بتفاصيلها باختلاف الأشخاص.

اجعل لنفسك شغفًا دوما فيما تفعله حاول قدر الاستطاعة ألا تدخله في دائرة الاعتياد والروتين القاتل، كن على وعي ودراية تامة بما تعمله إياك أن تعمل هذا ابتغاء تنفيذ أمر أو طاعة لمسؤول فهذا المسئول لن يقف معك أمام الله وقت الحساب.

حدد غايتك العامة وبناء عليها حدد غايتك من هذا المكان ولابد أن تربط الغاية هذه بوقت لا تتركها مفتوحة هكذا طيلة العمر، انتبه جيدا لهذه النقطة واجعلها بوصلتك في العمل، أغمض عينيك عن بقية الأشخاص وخصوصا عن القيل والقال لأنك ستجد أصحاب الثرثرة خصوصا في المكان يجلسون فقط على قدر الكلام.

نقّ قلبك دوما وذكرّه بالنية الخالصة التي حضرت بها في هذا المكان وتذكر أول يوم حضرت به للعمل واحرص أن يكون أول يوم مثل آخر يوم لا يختلف إلا في حصاد الإنجازات التي فعلتها.

بمجرد أن تفقد النفع وتجد أن المكان لم يعد يضيف إليك وأنت لم تعد بحاجة إليه اتركه فورا دون أي تفكير أفضل بكثير أن تستمر دون غرض أو هدف فقط بدافع أني تربيت في هذا المكان وحقه عليّ أن أستمر به ولم أتركه أي كانت الظروف صدقني هناك شخص آخر على أتم الاستعداد والكفاءة أن يرفع من قدر المكان.

ابعد عن نظرية أن من يعمل بالجمعيات الخيرية ويقضوا الحوائج أنهم أناس ملائكة لايخطئون فهم بشر أيضا ولهم ما لهم وعليهم ما عليهم فافتخر بعملك لنفسك ولا تجعله وسيلة للتعالي على الآخرين.

أخيرا لا تستهلك عمرك وصحتك وفكرك بجانب واحد فقط من حياتك وفجأة تستيقظ بعد مرور أعوام أنك أخطأت في حق نفسك وحق أحلامك وطموحك ولكن للأسف لم تعد تصلح لتفعل ما تحب (اجعل للتطوع وقتًا ولبقية حياتك وقت أيضا).

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد