يعيش مجتمعنا في الآونة الأخيرة نشاطًا شبابيًا، وحركة كبيرة في العمل الجمعوي التطوعي والثقافي، ويرجع ذلك إيمانا من هذه الفئة بدورهم الفعال نحو مجتمعهم، ويقينًا منهم بأن وقت الفراغ نعمة لا يجب إهدارها في التسكع والجلوس أمام الطرقات والمقاهي أو أمام شاشات الحاسوب طوال الوقت؛ فالعمل التطوعي من القيم التي يحث عليها ديننا الحنيف؛ فقد روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر، يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مؤمنًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». رواه مسلم.
وقوله تعالي «فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» (سورةالبقرة: آية 184).

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الحج:77).

والعديد من الآيات والأحاديث التي تحث المسلم على النشاط التطوعي والعمل الخيري وتقديم المساعدة، فهو يمثل قيمة عظيمة للتنمية والعطاء، ودورًا فعالًا في بناء المجتمعات وازدهارها وتماسكها، وبالرغم من أن التطوع ليس بالأمر الجديد على المجتمعات، لكنه يتطور كلما دعت الحاجة إلى ذلك، وبتغير الأزمنة، ومع كثرة المتطلبات الحالية، تتوسع قاعدة العمل التطوعي؛ فقد أصبح بارزًا أكثر، بذل إن كان مقتصرًا على المناسبات والأزمات كالكوارث الطبيعية ومخيمات اللاجئين في الحروب وتقديم المساعدة للشعوب التي تعاني من المجاعة والفقر والأوبئة، ثم بدأ في التوسع ليشمل تنظيف الأحياء السكنية، وتزيين الطرقات، وتنظيف المساجد، وغرس الأشجار، والحفاظ على البيئة، ومكافحة الآفات الاجتماعية، ومحاربة الأمية، وغيرها من المشاريع حسب البيئة المستهدفة.

وللتطوع يوم عالمي يحتفل به في الخامس من ديسمبر (كانون الأول) من كل سنة، وهذا يوم اعتمدته منظمة الأمم المتحدة تقديرًا وتكريمًا للعمل التطوعي وللمتطوعين، وتحفيزًا لثقافة الأعمال التطوعية وتوسيع شبكتها للوصول إلى تحقيق الهدف من «أجل عالم أفضل»، وهو الذي تتخده الحركة الكشفية شعارًا لها.

وبما أن الشباب هم الفئة الأكثر نشاطًا وحيوية وقوة وقدرة على التكيف مع البيئة المحيطة بهم ومتطلبات عصرهم، وكونهم قادرين أكثر من غيرهم على فهم مشاكل مجتمعهم، وإيجاد الحلول الأنسب لها، فقد أصبحوا يشكلون الموردالبشري رقم واحد للعمل التطوعي في مجتمعنا الجزائري.
فنجد اليوم العديد من المجموعات الشبابية المهيكلة داخل المؤسسات التربوية كالثانويات، الجامعات والأندية الثقافية والرياضية والجمعيات التي فهمت تلك الحاجة يمضون معظم وقتهم في أعمال غير ربحية، أي: دون مقابل، تعود بالفائدة على مجتمعهم، وفي المقابل فإننا نجد شبابًا يجد صعوبة في تقبل مفهوم العمل التطوعي باستثناء ما هو معروف عنده كتقديم صدقة أو مساعدة مسن في قطع الطريق ويلقى العبء على ما يسميه بالجهات المختصة لحل ذلك المشكل أو معاجلة قضية ما، فما هي الدوافع والتحديات وآفاق العمل التطوعي عند الشباب؟

تقول «فانيا هوغلوند» من دائرة المتطوعين  Volontärbyrån، أكبر وكالة للمتطوعين في السويد «إن العمل التطوعي في السويد قائم على فكرة الحركات الاجتماعية، وأن الجميع قادرون على المساهمة في المجتمع. فالأمر يتعلق بالديمقراطية وحل المشكلات بصورة جماعية. إنه ليس عملًا خيريًا أو أن يقوم الأغنياء بمساعدة الفقراء. أنت تتطوع لأنك تريد أن تكون جزء من بناء مجتمع أفضل».

وفي إحصاء عن نسبة التطوع في الدول يظهر أن 47% من المجتمع الكندي يمارسون التطوع

وأثبت العديد من الدراسات أن المجتمعات التي يشتغل أفرادها بالقضايا الاجتماعية، ومساعدة الغير تنخفض فيها نسبة الجريمة بشكل كبير مقارنة بغيرها من المجتمعات.
ويشهد مجتمعنا العديد من التحديات على غرار المشاكل الاجتماعية، التسرب المدرسي، انتشار الآفات، تدني المستوى الخلقي في التعامل، والاندماج  لدى العديد من الشباب الإعلام الجديد غير الممنهج، وغير المتحكم فيه، كل هذا يؤدي إلى تدهور المستوى الثقافي والفكري وينعكس سلبًا على كامل المجتمع.
ما أصبح يتطلب تدخلًا مباشرًا للحد من هذه الظواهر الغريبة على مجتمعنا الإسلامي.

اليوم فئة كبيرة من الشباب أصبحت تعتبر التطوع منهج حياة والمجموعة التطوعية عائلة واحدة يتشاركون الحلو والمر تحت شعار «حياتي بالتطوع أحلى».

شخصيًا كناشط شبابي كانت لي تجربتي الخاصة في الميدان اكتسبت منها خبرة لا بأس بها، فالعمل التطوعي عزز في نفسي الانتماء والولاء للوطن والمشاركة في بناء المجتمع، وساهم في تنمية قدراتي العملية والعلمية وتشكيل شبكة علاقات واسعة ومتنوعة.

وقد يكون التطوع، إما اجتهادًا فرديًا أو عملًا جماعيًا، وهذا ما نطمح إليه من خلال تعزيزهذه الثقافة ونشرها ومشاركة التجارب مع الغير.

فيكتسب الشباب من خلال تجاربهم العديد من المزايا التي لا تتاح لغيرهم؛ كونهم شبابًا فاعلين أصحاب أهداف ومبادئ، فالعمل التطوعي الجماعي يكسبهم القدرة على اكتشاف قدراتهم، وتطوير مهاراتهم، والمساهمة الفعالة والإيجابية في تنمية مجتمعهم، وحل المشكلات بتفكيرهم وطريقتهم الخاصة، وإدراك أهم النقائص وتحديد الأولويات داخل بيئتهم التي يعيشون بها، إضافة إلى إكتساب الثقة بالنفس وإحترام الذات والشعور بالقيمة المضافة التي يقدمها، وكسر حاجز الانطواء وترسيخ مفهوم المشاركة، وتحمل المسؤولية، كل هذا يصنع من الشاب المتطوع فردًا فعالًا إيجابيًا مدركًا لما هو مقبل عليه مستقبلًا في حياته الشخصية.

بالرغم من كل هذه المحفزات الإيجابية في العمل التطوعي، إلا أنه لا يخلو من السلبيات، إن لم يحدد الفرد أولوياته، ويرتب مهامه، ويلتزم بضوابط هذا العمل، فنجد من يهمل دراسته أو عمله مقابل المشاركة في نشاط تطوعي. والأخطر من ذلك أن يهمل أسرته؛ فيقدم المشاركة في العمل التطوعي على تلبية حاجات الأسرة، كتأجيل طلبات الأولياء، وهي الأولى من أي عمل آخر، وهناك من جعلها فرصة للتعارف في فضاء مفتوح فيصبح همه اللقاء قبل الهدف والغاية من اللقاء، فتفسد نيته ويضيع جهده دون ملء حسابه بالأجر والثواب.

أما المجتمع فأصبح ينظر إلى العمل التطوعي كواجب على المتطوع وأولوية، والبعض الآخر يراه كطريقة استغلالية لقضاء مصالح شخصية، وهذا في ظل العديد من التحديات التي يفرضها الواقع من أهمها :

  • – عدم احترافية المؤسسة التطوعية وعملها بشكل غير منظم؛ مما يسبب ضعفًا ضد التحديات.
  • – عدم وضوح الرؤية والأهداف للمؤسسة التطوعية.
  • – نقص التمويل والمساعدات للمنظمات التطوعية باختلافها؛ وهذا راجع إلى عدم الثقة في بعض الهيئات ومؤسسات العمل التطوعي التي تستغله لقضاء مصالح شخصية؛ مما يرسم صورة سلبية عند الكثيرين.
  • – ضعف الاهتمام بثقافة التطوع في المؤسسات التربوية والمؤسسات الإعلامية.
  • – غياب التحفيز والتشجيع.
  • – إهمال جانب التكوين من قبل المؤسسات التطوعية؛ ما يجعلها غير قابلة للتطور ومسايرت المتغيرات.
  • – عدم ترتيب الأولويات وكثرة الإنشغالات للمتطوع تنقص من مردوده.
  • – الخوف من فشل التجارب الجديدة.
  • – احتكار العمل وعدم التعاون بين المؤسسات التطوعية.
  • – النظرة السلبية للمجتمع عن العمل التطوعي.

هذه نظرة عن واقع التطوع في مجتمعنا مع ذلك فتبقى الحاجة له يومية، ولا يمكن الاستغناء عنها؛ على أمل أن تلقى اهتمامًا أكبر من طرف الجهات الرسمية لصنع استراتيجية جديدة، وواضحة لتحسين الواقع والمساهمة في تنمية المجتمع من أجل عالم أفضل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد