التطوع، كلمة زئبقية من حيث أصل الفعل وحافزه، فبحسب التعريفات الأكاديمية، والتي تتقاطع مع تعريف الأمم المتحدة، هو كل فعل إنساني إرادي يتوجه إلى تحسين ظروف عيش أصغر وحدة في المجتمع (الفرد)، عبر تطوير بنيته ووضعه الفوقي والتحتي (بالتعبير الماركسي) على حد السواء، وفعل يتغيا التأثير الإيجابي في وتيرة التنمية وطبيعتها، عبر تواضع الأشخاص واتفاقهم على وضع خبراتهم وطاقاتهم وأوقاتهم رهن إشارة التنمية والسلام، دون نية تلقي أجر مادي نظيرها.

وعلى هذا، فيمكن القول إن التطوع مبدأ يتفاعل وينتظم داخل مجموعة من المؤسسات الاجتماعية، تربط بينها علاقة تراتبية من حيث المعنى، فهو يمثل أحد المبادئ الرئيسة في ممارسة العمل الجمعوي/ الخيري، الذي بدوره يمثل قسطًا أوفر من الاختصاصات والأدوار التي يضطلع بها المجتمع المدني، والتي من المفروض أن تُنَفذ بقَدَر؛ ذلك لتداخل العديد من التوجهات الموازية والمتعارضة فيما بينها أحيانًا، داخل خانة العمل المدني، فيما يتأطر كل ما سبق بعقد اجتماعي يرسم ويوضح ويحدد علاقة الدولة بالمجتمع.

ثمة خيط رفيع يفصل بين العمل الجمعوي والخيري والإحساني، إذ يجمع بينهم التطوع وتفرق بينهم النوايا والكيف وطبيعة الفِعل، ويبقى المشترك بينهم هو المصلحة المشتركة المُحَققة بعد الفعل، إذ يحصل المتطوع على مصلحة ذاتية/جماعية معنوية بالضرورة، ولحصيلة المستفيد من التطوع أن تتخذ الوجهين (معنوية/ مادية) بحسب العمل المُمَارس من الأول وطبيعته.

إن العمل الجمعوي ينأى بنفسه عن البقية، ليكون عملًا له مقاصد وقواعد واستراتيجية عمل مضبوطة تحكم عمليات تأديته وعلاقات ممارسيها، وحتى تلك التي تربط المستفيد/ الجهات المستفيدة بالناشط الجمعوي/ التنظيم الجمعوي، فهو عمل مستمر عبر الزمن ومؤطر بإطار يخضع لقوانين البلد، ويجتمع فيه ما في التنظيم الإداري لأية مؤسسة مُهيكَلة، ولا يهدف إلى فك كرب الناس لوهلة أو تحسين وضعهم عند ضائقة، أو التوجه إليهم بحفنة دراهم تقيهم الحاجة اليوم وتُعرضهم لها في الغد.

الارتباط بمنظمة غير ربحية، والالتزام من داخلها بالعمل وفق مبدأ التطوع ووفق استراتيجية وتصور واضحين، ونجاح الأمر، يعني؛ التوفر على بيئة سليمة وصحية ومواتية للاشتغال، ومجتمع سوي على قدر عالٍ من فهم ماهية التطوع والتضحية ونكران الذات والاحتراق – إن جاز التعبير – من أجل تبديل تحسين حاله، ومنظمات أخرى من الجنس نفسه تحكم عملها قواعد الإدارة والتواصل والتدبير، ولا ترى في وجود الآخر/ شخصية معنوية، تهديدًا لوجودها أو مكونًا تنافسيًا، إن كان التطوع بما يقتضيه هو المؤطر الأول.

من البديهي جدًا أن يكون مسار العملية التطوعية (إنسانًا – إنسانًا/ مجالًا)، إذ إن المشترك أكبر من أن يخندق في الاعتقاد الديني والأجر الأخروي وما يتبعه من غيبيات، ويبقى الحافز الإنساني، وخدمة الإنسانية إيجابًا هما المنبع والمصب، ولا ضير إن كان التقدير والإقرار والاعتراف من الجهة المستفيدة جماعيًا لا فرديًا، حتى تصنع طغاتها من حيث لا تدري، أو تُسهم في فساد جيل مُقبِل من الناشطين الجمعويين.

إن مظاهر فساد منطلقات التطوع ثلاثة، الأول يكون عبر تغليف حاجة سيكولوجية/ وجودية ذاتية بإرادة التطوع خدمة للإنسانية، حيث هو في الحقيقة تلبية لحاجة نفسية وتحويل لها ونقلها لشريحة واسعة من المجموعة المستهدفة، وقد لا يقف ضرها عند صاحبها (تصبح الحاجة ككرة الثلج وتؤثر في علاقاته الاجتماعية وفي ثقته بنفسه التي ستتجاوز الغرور بكثير) بل ستمتد لتصبح مُعدية وتُفرخ نسخًا أشد ضررًا.

ويكون الثاني عبر تغييب أي حد فاصل بين العمل الجمعوي والعمل السياسي، وتعمد توحيد نوعية الفئة المستهدفة بأهداف ونوايا ترتكز على الاستمالة وعلى الطمع في قرب شخصي منها، حتى إذا ما احتاجها المُمَارس وجدها ما زالت تعتبر نشاطه وتطوعه من أجلها عطية من عنده، وجب رد الدين له، ويفضي الى الاستدراج السياسي وتتلوث بيئة الاشتغال بشكل يضر بسائر أفراد وهيئات المجتمع ويحدث أزمة ثقة بين الجميع.

المظهر الثالث، يتجلى في وضع المُمَارس، الربح المادي أولًا نصب عينيه، وقد يصل الأمر حتى تضخيم تعويضات التنقل والجهد الإضافي التي يكون الاتفاق عليها مع التنظيم مسبقًا، وهذا النوع يتخذ من مصلحته المادية الشخصية حافزًا أولًا للعمل الجمعوي، ويجعله موردًا ماليًا أساسيًا له، وهو ما يسمى بالإنسان الاقتصادي الذي تحركه الدوافع الاقتصادية بشكل أساسي.

إن العمل التطوعي الخيري أو الإحساني محمودان في ظاهرهما، لكن ضرهما أكثر من نفعهما، فالمرحلة تفرض المرور إلى العمل المؤسساتي الذي تحكمه قواعد ومخططات عمل تلامس كافة أطراف التنمية وتضع المستفيدين منه صلب العملية بحيث تجعلهم مشاركين ومستفيدين في الآن ذاته.

تكمن خطورة المبادرات الفردية المعزولة، والمترامية حتى في الزمن، في أن الفئة المستهدفة قد تألف العطية وتجهَض فيها أية نية للتحرك وإنتاج نظامها اليومي وواقعها التنموي، وهذه المبادرات – بالطبيعة – محكومة بالانهيار التام مع موت كلي للرغبة داخل أصحابها.

ويبقى العمل التطوعي الجمعوي الحق، هو جعل الحافز الإنساني المحرك الأساس لمبدأ التطوع في الإنسان، وجعل تحسين وضعية الفرد في المجتمع ومنه المجتمع برمته، هدفًا له، والمحصلة ستكون استفادة أكبر قدر من الناس من مهارات وخبرات متطوعين آثروا على أنفسهم حب الإنسانية، بينما المحصلة لهؤلاء المتطوعين ستكون تطويرًا في قدراتهم وسلوكياتهم – وبالضرورة – لابد من إعادة توجيهها خدمة للإنسانية بنفس ورغبة وإرادة أقوى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد