الرحالة ابن بطوطة يروي لنا ما شاهده في دمشق المتقدمة

أنا الآن في دمشق، قرب مسجد الأقدام الذي يحكى أن الأقدام المصورة على حجر هنا تعود لموسى عليه السلام.

أما عن الطاعون الذي ضرب البلاد والعباد، بحيث خرج ملك الأمراء أرغون شاه بأمر ليصوم أهل دمشق ثلاثة أيام متوالية كان آخرها يوم الخميس، واجتمع الأمراء والمشايخ والقضاة وجميع القاطنين من مختلف الديانات، وباتوا ليلة الجمعة يصلون ويدعون، وفي الصباح أقاموا مسيرًا وهم حفاة متوسلين الله أن يخفف عنهم، فانتهى عدد الموتى إلى ألفي شخص في يوم واحد بدمشق و20 ألفًا في مصر والقاهرة.

والأهم من هذا كله، يحكي #ابن_بطوطة عن الأوقاف التي شاهدها في دمشق والتي لا تعد ولا تحصى (بمعنى أن الأشخاص الميسورين يوقفون جزءًا من أموالهم أو مساكنهم في سبيل الله).

ستنبهرون يا سادة بقيم الإسلام الحقيقية التي كانت آنذاك، التضامن والكرم والحضارة التي عمل بها الغرب وغفل عنها المسلمون.

لنبدأ،

1- أوقاف الحج، بمعنى شخص يعجز عن أداء مصاريف الحج، يتم تجهيزه بالكامل ليؤدي المناسك.

2-أوقاف تجهيز البنات، بمعنى تجهيز العروس إلى زوجها بالكامل للتي لا قدرة لأهلها على ذلك.

3- أوقاف فك الأسرى.

4-أوقاف لعابر السبيل، يعني مررت بدمشق وانتهت مؤونتك، يعطون لك المأكل والملبس بما يكفيك للوصول لبلادك.

5-أوقاف تعديل الطرق والأرصفة، كانت لدمشق يا عزيزي مثل أرصفة أوروبا حاليًا، وكان الناس يحترمون الطريق ويعتبرونها للركاب فحسب.

5- أوقاف الأواني (صدمت لهذه) وهنا قصة يحكيها ابن بطوطة، قال مررت بمملوك أي عبد يأخذ صحنا من الفخار، فسقطت منه فانكسرت، وأنتم تعلمون جزاءه عند سيده، فاجتمع عليه بعض الناس، فقالو له اجمع شقفها واحملها لصاحب أوقاف الأواني، فأراه إياها، فدفع له ثمنها ليشتري غيرها، لا أطالبكم بشيء سوى تخيل الحدث، وتقييمه.

6- وقف التعليم، بمعنى أوضح من يريد التفرغ للدراسة أو التعبد تتم إعانته بالكامل.

أما بخصوص المغاربة بدمشق، فينقل إلينا ابن بطوطة أن لهم شأنًا عظيمًا، أما من انقطع بجهة من جهات دمشق يعطونه معاشًا من مسجد أو مدرسة، أما من له صنعة أو حرفة فيجدون له عملًا.

يا إلهي، في رمضان الأجواء خرافية، يقول ابن بطوطة لن تجد أحدًا يفطر وحده البتة، فالأمراء والقضاة والأعيان يدعون أصحابهم ثم الفقراء ليفطروا عندهم، وكذلك بالمثل يفعل كبار التجار والصنايعية، أما الفقراء فيجتمعون في مسجد أو دار أحدهم.

ونختم بهذا الفعل الرائع، خصوصًا وقد مرّ قريبًا يوم عرفة وعيد الأضحى المبارك، كانوا يخرجون بعد صلاة العصر من يوم عرفة إلى صحون المساجد، ويقف فيهم أئمتهم خاضعين خاشعين ملتمسين البركة ويتوخون الساعة التي يقف فيها حجاج الله بيته الحرام إلى أن تغيب الشمس فينفرون كما ينفر الحجاج داعين لله البركة والقبول فيما فعلوه.

الخلاصة من هذا الموجز من رحلة ابن بطوطة في بلاد الشام، وخصوصًا دمشق، يؤكد أن الحضارة الإسلامية وقيمتها كانتا في أوجهما، كان الإنسان المسلم يعيش بكرامة، وكانت البقاع كلها من بلاد الغرب والشرق لا تعرف حدودًا، ولا تفرقة، ولا تمييزًا بين هذا وذاك، مسلمين فقط.

أين هذا التضامن؟ ولماذا فقدناه؟ هل تعمد الباحثون والمؤرخون وأوليائهم طمس حضارة نموذجية في التعامل مع الإنسان، أم أن الجهل واللامبالاة هو الذي أفقدنا كنوز أجدادنا من حيث التعامل والتآخي وحسن الضيافة والكرم؟

لابد لنا من وقفة، تأملية تصحيحية لمسار أعوج تسير فيه الأمة، والوقوف على مسبباته، على الأقل لنظهر جزءًا من ماضينا التليد، فعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما تجد على أبواب مساجدنا عشرات الفقراء والمساكين يطلبون دراهم معدودة، وأقارن هذا بما رواه لنا الرحالة ابن بطوطة من أوقاف السبيل والزواج والأواني من زمانه، أقف عاجزًا عن التعبير لما آلت إليه أوضاعنا وأخلاقنا، كي لا نبرر انحطاطنا ونكبتنا، لم يتكالب أحد علينا، نحن من تكالبنا على بعضنا البعض، ونهش بعضنا الآخر، ونمت الطائفية بيننا كالسرطان، فعجزنا عن مقاومة المرض، فاخترنا الطريق السهل، طريق الجبناء، وهو تكالب الأمم علينا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد