أدخُل فضاء الأدب الفسيح باحثًا عن المتعة في عالم البلاغة المبهرة والأسلوب الذي يسلب الألباب لأستشعر دخول مدن من مدائن التاريخ التي تعبق أصالة وجمالًا، هناك حيث تسمو النفس المنهمكة بتفاصيل الحياة فتسدل على الروح سِترًا من أمل يخلصها من ضنك واقعها وعالمها المحفوف بالسواد.

تُطالعني في غمرة بحثي عن الجديد روايات حديثة لكتاب مجهولي النّسب في بيوت الأدب، يستوقفني الرواج الكبير والانتشار الرهيب الذي حظيت به بين جمهور القرّاء الذي تلقفها مغتبطًا فرحًا وطار بها إلى المنتديات والصفحات الأدبية مقرّظا مادحًا، حتى يخيّل إليّ أنهم يتحدثون عن نادرة الأساليب ومفخرة الأدب، فكان يكفي هذا التواجد المذهل والحضور المهيب لاسم العمل والانبهار الكبير به وبصاحبه أن يكون حافزًا قويًا ومبعثًا كافيًا لإثارة فضولي وفضول أي قارئ باحث عن المتعة والفائدة تحت راية الأدب الجميل الذي يدعو إلى القيم النبيلة من حرية وفضيلة ووفاء.

أتصفح العمل بحماسة مغامر متعطش لمتعة استكشاف أغوار مجهولة، وما هي إلا طرفة العين وانتباهتها حتى أدرك أني خُذلت أيما خذلان، أمعن النظر أكثر فينقبض صدري ممّا أرى من ركاكة وانحلال وأعود خائبًا مغيظًا محنقًا، حينها فقط أوقن بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ الجمهور باحتفائه المهيب ذاك قد أنزل تلك الأعمال منزلا غير منزلها وأقام لأصحابها صرحًا لا يستحقونه فأنزلهم مقامًا غير مقامهم، أجاهد نفسي لمواصلة القراءة إنصافًا للكاتب وما كتب لكن النّفس بفطرتها تشمئز وتتأبّى.

ولعمري لم ألق إلا الخلاعة والمجون والإباحية وقلة الحياء، ألفاظ بذيئة نابية ومواضيع غرائزية سطحية تعبث بالمقدسات وتنسف أسس الحياة الاجتماعية بكل ما فيها من دين وخلق وفضائل، روايات لا تحمل أيّ حس أدبي إبداعي أو فنّي فتهدم ولا تبني وتضرّ ولا تنفع،وإن تعجب فعجبٌ أن تجد كل هذه الرداءة وقلة الأدب تسوّق على أنها أدب زعما بأنها نقل للواقع دون مكياج ولا تزيين فكانوا كمن يهرب من العفن لعفن أكبر كحال المستجير من الرمضاء بالنار، وليت أصحابها اكتفوا بذلك القرف المرير ولم يزيدوا عليها ركاكة التعبير، وهنا كان لزامًا على كل متتبع للشأن الثقافي والأدبي أن يتساءل:

ألسنا أمة الشعر والأدب، تلك الأمة الذوّاقة للّغة والتي طالما عُرفت باستعذابها للكلمة الجميلة الأنيقة واستقباحها للّغة الركيكة والمبتذلة فلماذا تتصدر هذه الروايات السيّئة الذّكر والتي تحارب كل فضيلة وتدعو لكل رذيلة قائمة الكتب الأكثر مبيعًا وتحميلًا، هل انحدر ذوق القارئ العربي حتى صار بركة آسنة بعد أن كان عذبًا رقراقًا، أم أنّنا فشلنا في كل شيء حتى في القراءة التي يجب أن ترفعنا لتضاف أزمة الذوق إلى قائمة أزماتنا العديدة؟

إن كل هذا الاحتفاء والتبجيل وكل هذه الضجة التي تثار حول هذه الأعمال المترديّة والمفلسة أدبيا إنّما مردّه إلى سطحية الذائقة الفكرية والأدبية للمتلقّين الذين ألبسوها لبوس العظمة والجلال كما يرجع لغياب النقّاد الحقيقيين والقرّاء الجادّين، وهنا لا بد علينا أن نفرّق أولا بين الجمهور والقرّاء خاصة إذا علمنا أنّ أغلب متابعي الصفحات الأدبية على السوشيال ميديا هم من القراء السطحيين ومن الشباب المراهقين الذين يبحثون عن الروايات الرومانسية الفجّة بالأسلوب العامي البسيط وينفرون من الروايات الفلسفية المرهقة العميقة وشتّان ما بين قراءة تمرّ على العقل مرور القطرة على الحجر الأملس وبين قراءة تجبر صاحبها على إعمال عقله وشحذ قريحتة.

وفي هذا يقول الدكتور محمد يوسف عدس : «ولا تقاس قيمة كتاب بسعة انتشاره ولا بحفاوة القراء به فحسب وإنما تقاس إلى جانب ذلك بنوعية القراء الذين احتفوا به وتناولوه بالقراءة والاستعاب ثم تقاس بعمق الأثر الذي خلفته هذه القراءة في عقولهم وقلوبهم». ا.هـ

لذلك فالانتشار الواسع وكثرة المبيعات وكثرة القراءات والاقتباسات وحتى حصاد الجوائز كلها ليس لها قيمة فعلية في الحكم على نجاح العمل وعلى أدب وذوق أمة من الأمم، فالأمة لا زالت نفسها تهفو إلى الكلمة الجميلة الأنيقة وتستقبح اللغة الركيكة والمبتذلة ولا زالت تحن إلى ذلكم الأدب الذي يخرج لنا على شكل لوحة فنية تبهرنا بجمال معناها وبشاعرية مبناها حتى نَحار أي الأماكن تَستحقها.

ذلكم الأدب الجميل الذي يحمل بين طيّاته الشخصية الوقورة الجسورة الذي يحمل هم الأمة قبل أن يحمل هم الوطن ويناقش قضايا المجتمع والإنسان على اختلافها فيقف شامخًا في وجه الباطل والظّلم والتّخلف والفساد ولا يخشى في سبيل إظهار الحقّ لومة لائم.
ذلكم الأدب الذي يعبق بعبير العربية السّاحرة وقبله بعبير الدّين ليعلّمنا كيف نجعل من حروفنا راية نرفعها عاليًا حتّى يتعلّم أبناؤنا كيف تُعشق الفضيلة والحرية.

هذا هو الأدب الذي يسمو بالرّوح الإنسانية، أمّا ما يسمّيه هؤلاء أدبًا فإننا نجعله دُبر آذاننا ونقول كما قال فقيه الأدباء وأديب الفقهاء الشيخ علي الطنطاوي :«أما قولهم هذا هو الفن فإنّي أُنكره أشدّ الإنكار، إنّ الذي أعرفه أن الفن هو الذي يبحث في الجمال بحث العلم عن الحقيقة، وأنه يدرك بالعاطفة كا يُدرك العلم بالعقل، فمن قال إنّ الجمال لا يكون إلا في الفحشاء والمنكر؟ أليس في تصوير الفضيلة جمال؟ والوفاء والوطنية والإخلاص والنُبل؟
أخَلَت كلها من الجمال، واقتصر الجمال على ما يثير الشهوة ويحرّكها! … للأدب غاية هي تهذيب الطباع وصرف العواطف إلى الخير وتنبيه الضمائر الغافلة وإيقاظ الهمم والمروءات، وما إلى ذلك ممّا يكون منه نفع النّاس». ا.هـ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, روايات_, نقد_
عرض التعليقات
تحميل المزيد