العسكرة أم السياسة

عشرون سنة من الصراع والاستنزاف الأمريكي الطالباني في أفغانستان، انتهت بهزيمة أمريكية غير معلنة (مقنّعة بسياسات ومصالح) بحجة الرغبة بالتوجه لانسحاب القوات الأمريكية المنتشرة في العالم، وهي سياسة الرئيس الحالي ترامب، تمهيدًا لزيادة فرص الفوز في الانتخابات القادمة لدورة رئاسية ثانية.

وانتصار حركة طالبان المعلنة بعد سيطرتها على معظم الأقاليم والمدن الأفغانية واستردادها من أيدي الحكومة الأفغانية الضعيفة المدعومة من القوات الأمريكية.

حركة طالبان التي أقرّت بهزيمتها الأولى أمام القوات الأمريكية وقوات تحالف الشمال الأفغانية المدعومة أمريكيًا وانسحبت من العاصمة كابل ومن معقلها الأقوى قندهار عام 2001، بعد الغزو الأمريكي للبلاد الذي أعقب هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، واتهام الحركة بإيواء زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

انسحبت إلى الجبال و المناطق النائية والحدود الباكستانية، وقررت إعادة ترتيب أوراقها وجمع فلول مقاتليها وتغيير النهج القتالي من المواجهة المباشرة الغير متكافئة، إلى حرب العصابات، حيث استطاعت جرّ القوات الأمريكية إلى حرب استنزاف طويلة، كلفت الخزينة الأمريكية مئات المليارات من الدولارات، مع فشل سياسي وإداري في أفغانستان المحتلة، حيث لم تستطع فرض الأمن، حتى في قلب العاصمة كابل، ولا الاستقرار الاقتصادي، أو الاجتماعي، حيث تكبدت الولايات المتحدة نحو تريليون و70 مليار دولار أمريكي، إضافة إلى مقتل أكثر من 2400 جندي أمريكي، وإصابة عشرات الآلاف من جنودها ومرتزقتها بجراح وتشوهات وإعاقات دائمة (1).

نشأت طالبان كحركة دينية شبابية طلابية أفغانية، لم تتدخل في صراع الأخوة الأعداء من المجاهدين الأفغان على السلطة بعد التحرر من الاحتلال السوفييتي، وبقيت تراقب غير راضية عن الفوضى والانهيار السياسي والاقتصادي والأمني، مع تسابق الفصائل الأفغانية للسيطرة على العاصمة كابل وحكومة برهان الدين رباني الضعيفة.

ومع كل ذلك الخراب، توجّه معظم الشعب الأفغاني إلى علماء الحركة، للمساعدة في ضبط الأمن في قندهار أولًا، والخلاص من الميليشيات المتصارعة، فقررت دخول السباق على السلطة، ولكن هذه المرة باجتثاث الجميع، والتخلص من حالة الفوضى الميليشياوية، فزحفت من قندهار، وقضت على الفصائل المتناحرة، وما إن تسيطر على مدينة، حتى تنتقل لمدينة أخرى؛ لأن قادتها أيقنوا أن الحالة الميليشياوية لا يمكنها أن تبني دولة، وأن قادة الفصائل ميؤوس منهم، إلى أن دخلت العاصمة واستلمت السلطة، وفرضت الأمن والاستقرار في معظم الأراضي الأفغانية.

لقد أقرّ معظم الشعب الأفغاني، وبعض زعماء العالم، أن الحركة استطاعت بناء دولة كاملة الأركان، إلا أنها فشلت في تسويق نفسها دبلوماسيًا للحصول على الاعتراف الدولي، باستثناء الجارة باكستان، والإمارات العربية المتحدة والسعودية.

ثم جاءت أحداث سبتمبر 2001 وما تلاها من غزو أمريكي وإسقاط حكومة طالبان، وحرب العصابات الطويلة التي شنتها الحركة على القوات الأمريكية وحليفتها الأفغانية الضعيفة.

إلى أن تم الاتفاق النهائي بين الحركة والولايات المتحدة على إنهاء الوجود الأمريكي في أفغانستان، معلنة انتهاء 20 سنة من الحرب، لتنتهي بانتصارها.

عشرون سنةً أخرى تمر على تأسيس حزب العدالة والتنمية في تركيا، مع النجاحات الهائلة التي حققها الحزب وزعيمه رجب طيب أردوغان خلال تلك السنوات العشرين على كافة المستويات والمجالات الاقتصادية والصناعية والسياسية والاجتماعية والإقليمية والدولية، حيث استطاعت حكومة أردوغان بناء اقتصاد قوي، بعد التضخم الكبير الذي كان يعاني منه الاقتصاد التركي، كما حجز لتركيا مكانًا مرموقًا بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى، وعدّل المزاج الشعبي العام، نحو مزيد من الحرية الدينية للمجتمع، بعيدًا عن المواجهة المباشرة مع العسكر والعلمانية الأتاتوركية، حيث تمكن من إرضاء الجميع.

ولكن كيف نجحت هذه التجربة الفريدة؟

تصاعد حضور الإسلام السياسي في تركيا منذ الانفتاح والسماح بتأسيس الأحزاب مطلع الثمانينات من القرن الماضي، ثم وصول حزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان إلى السلطة وتوجهاته الدينية الواضحة، ثم حظر الحزب وسقوط حكومة أربكان مرتين بسبب تلك التوجهات.

في يونيو (حزيران) 2001 حدث الانقسام داخل التيار الإسلامي، بين التقليديين والمجددين، وذهب التقليديون بزعامة أربكان، إلى تأسيس حزب جديد حمل اسم حزب السعادة، بينما أسّس المجددون حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان وعبد الله غول.

أدى تكرار تجربة الحظر للأحزاب الإسلامية إلى الاقتناع بوجوب تغيير النهج القديم، والابتعاد – ولو ظاهريًا – عن شعارات وسياسات أربكان الراديكالية التقليدية، وتزعّم هذا التوجّه الجديد قيادات شابة تتبنى وسائل وشعارات مختلفة، وعلى رأس تلك القيادات أردوغان وغول، واتجها نحو قيادة حركة إصلاحية بدأت بتصريح أردوغان بأن الحزب الجديد لن يكون حزبًا إسلاميًا، وأنه يتبنى الديمقراطية والليبرالية.

بذلك أكّد الحزب على تبنّيه وإخلاصه لقيم الجمهورية التركية، وأهمها العلمانيّة، وكان الدافع وراء هذه السياسات محاولة تفادي الصدام مع المؤسسة الأمنيّة والعسكريّة، وبذلك بدأ الحزب الجديد باعتباره نموذجًا للتعامل البراجماتي، مع إعلائه المصالح على حساب اعتبارات المبادئ والأيديولوجيا.

ومنذ ذلك الحين، وحزب العدالة والتنمية يمسك زمام السلطة في تركيا، بنجاح منقطع النظير، واستقرار غير مسبوق، باقتصاد قوي، وموقع جيو-إستراتيجي محترم على المستوى الإقليمي والدولي، ومجتمع متصالح مع نفسه، ومكتسبات كبيرة للحرية الدينية ، ونهضة علمية وصناعية وعمرانية كبرى.

كما استطاع كسب تأييد غالبية الشعب التركي، وأحزاب المعارضة، والمؤسسة العسكرية، وأنهى حالة الحرب مع الأكراد.

لنتخيل أن أردوغان وحزبه لم يسيرا باتجاه تغيير الخطاب التقليدي للإسلام السياسي في دولة علمانية كتركيا، نحو المزيد من الليبرالية والانفتاح، فهل كان لهذا النجاح الاستمرار والبقاء في الحكم خلال العقدين الماضيين؟

ما هو الرابط بين الحديث عن حركة طالبان، وعن أردوغان وحزب العدالة والتنمية؟

إنه التوجّه العام والوسائل المتاحة لتحقيق الأهداف، بين عسكرة طالبان، وسياسة أردوغان.

في الدول التي يحكمها الطغاة والديكتاتوريات أو تلك التي تقبع تحت نير الاحتلال الأجنبي، تعيش الشعوب المستضعفة المقهورة، التي تحلم بالحرية، والانفتاح على العالم، والرخاء الاقتصادي والحضاري، والتخلص من الاحتلال، فأي الطريقين يمكن لتلك الشعوب أن تسلك؟

طريق طالبان بالمقاومة العسكرية؟

أم طريق أردوغان بالسياسة والواقعية، بعيدًا عن استعداء الداخل، وفتح الجبهات مع الخارج؟

وما هي خيارات الشعب السوري، الذي يقبع تحت سلطة ديكتاتورية مجرمة، وبنفس الوقت تحت نير الاحتلالين الأجنبيين الروسي والإيراني؟

كم هي خيارات صعبة، ولكن الشعب السوري، وجبروته ونضاله المستمر منذ تسع سنوات، لا بدّ له عن الوصول إلى أهدافه في الحرية والديمقراطية والكرامة، مهما قلّت الوسائل، ومهما ضاقت الخيارات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد