الرواية.. حيث تندمج طبقات من الأزمنة والأمكنة وتقاطعات من الشخصيات الحقيقية والخيالية، لكل أحد أن يمسك بقلمه ويخط على أوراقه حكايةً مطولةً تساعده فيها جدته أو قصص الشبكة العنكبوتية وينعت ذلك أنه رواية، كما لكل أحد أن يؤلف بين مجاميع الكلام على قالب شكلي معين ويصف ذلك بأنه شعر، وكلاهما يزيغ عن الذوق أيما زوغان، ويحيد عن الجرأة ويختبئ بين الألفاظ زاعمًا لنفسه أنه ذو قلم وذو شأن، وهؤلاء كثر في عالم التأليف لا يحصيهم محص ولو سألت العادين!

ولكنك لن تجد بارعًا في الرواية يفري فري الأستاذ العبقري صاحب التميز في صناعة الرواية، وأعني به شيخنا واسيني الأعرج الكاتب الكبير أو من يجب أن يوصف بأنه المعلم الأول في مدرسة الرواية الجزائرية، ولا أعني بالأول المعنى الزماني فقد سبقه عشرات من كتاب الرواية الجزائرية رجالًا ونساءً (قد لا يكون رائدهم الشريف بن حبيليس الذي ولد سنة 1885 في قسنطينة، ولن تكون أخراهم الجوهرة المفقودة لويزة أوزلاق التي توفيت هذا العام عن عمر يناهز الـ 32 سنة)، فعلى امتداد قرن من الزمان شهدت الساحة الجزائرية تصاعدًا تدريجيًا في زخم الكتابات الروائية، وفي العقدين الأخيرين ومع انتشار شبكة الإنترنت وبروز مجموعة من الشباب تحتك بعالم الكتابة في مختلف ميادينها يمكن أن نتفاءل بزخة كبيرة من الأقلام الشابة التي أدلت بدلائها وقدمت أعمالًا محترمة جدًا، خاصة مع إطلاق جائزة الشهيد علي معاشي، ثم جائزة، آسيا جبار، تحفيزًا لكل الكتابات الشابة، ولكن دعوني أخبركم بأن الرجل الذي وضع اللبنة الأولى لمدرسة اجتذبت هؤلاء الشباب والشابات هو كاتبنا المرموق واسيني، وذلك لعدة أسباب يمكن إجمالها فيما يلي:

1- أنه صاحب نزعة وطنية جد متميزة، فالأستاذ واسيني لا يترك أي فرصة في أعماله الجليلة إلا وعرج على الجزائر بكل تفاصيلها واستحضر التاريخ الجزائري الضارب في الأعماق، فالجزائر عنده ليست محصورةً بما بعد 1962 ولا مقتضبةً في بعض الشخصيات المشهورة، الجزائر عند كاتبنا لوحة منمنمة فيها قطع تزخر بكل أنواع الفنون القديمة والحديثة.. ولا جرم أن نقرأ روايته: البيت الأندلسي؛ لندرك عمق جزائرية هذا الرجل.

2- أنه يكتب بعربية راقية جدًا، ومع أن تعليمه فرنسي وسكناه بباريس، إلا أنه يعشق العربية حتى قال لنا ذات يوم: وددت حين أدعى إلى إلقاء محاضرة أن أدعى إلى الدول العربية حتى أخاطب الحضور بهذه اللغة الجميلة التي أحبها، هذه اللغة التي أنا ذهبت إليها بكل عشق وفخر.

3- أنه رجل ثائر كسر بعض الجمود الذي انتاب العقلية الوطنية ردحًا من الزمن طويلًا، فقد كان الأستاذ واسيني يكتب خلال العشرية السوداء بجرأة لم أجد لها مثيلًا، لأن الحكم البديهي آنذاك كان تجريم كل من يكتب في انتقاد السلطة بأي وجه من الوجوه، فالدولة كانت تخوض حربًا شرسة ضد مجموعات ظلامية، حيث شهدت الجزائر في تلك المرحلة حريقًا أهلك الأخضر واليابس، وكان على كل جزائري أن يصطف مع الدولة سواء فهم أم لم يفهم، ولكن صاحبنا كان يرسم في أعماله في تلك الفترة الصورة الصحيحة التي كان عليها الوضع، كانت أعماله لا ترضي أي طرف من الأطراف المتصارعة، وهذا بالضبط ما يعني أن يكون الروائي ثائرًا .. والحقيقة أنه يؤسفني جدًا أن كثيرًا من قارئي أعمال واسيني الأعرج (الشباب خاصةً) لا يأبهون كثيرًا بهذا الجانب المهم من شخصية كاتبنا، وأنا أدعوهم لاستلهام تجربة الرجل وسيفتح لهم باب كبير من الرسائل التي ضمنها واسيني في رواياته، تلك الرسائل التي لم تفض بكارتها بعد مع الأسف!

4- اللغة الواسينية.. أجل، تلك اللغة المميزة بتراكيبها وحتى ألفاظها المنتقاة بكل دقة، تحس وكأنه ينهل من معين القواميس العربية كلها ويختار منها ما لا يمكن أن يوضع في موضعه غيره، ثم يختار من القاموس الجزائري العربي ما ليس في القواميس العربية الأخرى، وكأنه يؤسس لمعجم روائي جزائري خالص، وهنا مربط الفرس الذي يحتاج لباحث قويم مختص لكي يسجل لنا ملامح اللغة عند الأستاذ واسيني الأعرج، فأما أنا فلست إلا متذوقًا عن بعد، عاشقًا عن كثب، ليس لي من الأمر شيء سوى هذا الحب لسيدة المقام التي سمعت غناءها في البيت الأندلسي ذات مساء!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد