إن ثورة 25 يناير، التي تهتف بنا في أنفساها الأخيرة؛ مطالبة إيّانا بالرشد والاستقامة والغوث، تستحق منّا جميعا أن نوفر لها حدًا أدنى من المنطق والرشاد؛ مما يُمكّن شبابًا هادرًا أن يجد مسارًا وطريقًا، ثورة ليست ملكًا لحزب أو جماعة أو فصيل أو تيار أو حركة أو صفحة فيس بوك.

ثورة قوامها الناس والتحامهم معًا، ليس بتوافق مؤقت، ولكن بتصميم على قرار واحد منحوت بصدق من رحم محنة البلاد وأزمتها، وها أنا ذا وإن كنت أعلق بحماس على تدوينة لأحد شباب الثورة؛ فهذا لأني على وعد واتفاق معها كأحد شبابها أن نُكمل ما بدأناه، ورسالتي إلى الأستاذ وائل غنيم بخصوص تدوينته التي نشرها عبر صفحته الخاصة على موقع فيس بوك صباح يوم الخميس 29 أكتوبر 2015 تتلخص في التالي:

– من الجيد الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه وهذا نحمده ونثني عليه وكلنا نتعلم.

– المؤسسات المنتخبة بعد 25 يناير (رئاسة – حكومة – برلمان) كانت ملتزمة بالمسار الديمقراطي والحوار وسمحت بقدر هائل من الحرية؛ وبالتالي نحتاج برهان وحجة على مساواتك بين الجيش والمؤسسات المنتخبة حين قلت: (صراع بين طرفين لا يعترفان بالديمقراطية والحرية)،

وحديثك عن رغبة المؤسسات المنتخبة في احتكار أدوات السلطة هو حديث به وهم كبير؛ فلا يُمكن لجهة أن تحتكر أدوات سلطة هي لم تصل بعد لمرحلة امتلاكها _ إزاي أحتكر سلطة أنا لا أمتلكها _ كما أن إحكام السيطرة على مقاليد الحكم هى وظيفة أى حكومة رشيدة تمتلك الشرعية والمشروعية، أن تُحكم سيطرتها بالعدل والإنصاف والاستقامة.

أما عن قمع المعارضين من قِبل المؤسسات المنتخبة فنعم كان هناك قمع، مثلما تعرضت له حركة أحرار في إبريل 2013م، والشيخ جمال صابر في مارس 2013م، ومن تم سحله أمام قصر الاتحادية فى فبراير 2013م “حتى وإن كان فلولا”، وكان وقتها أهم أدوات القمع، الإعلام المشوّه المؤيد لهذه المؤسسات، والذي زاد من الشروخ بين المصريين، وخوّن بعض شباب الثورة، وشارك فى تشويه الإسلاميين المخالفين له.

– من الجيد أنك سلكت مسلك الحوار بتوجيه النصح لأحد مستشاري الرئيس، وكان لك كل الحق فى أن تطالب باستفتاء شعبي أو انتخابات رئاسية مبكرة، وكان أيضا لمستشار الرئيس كل الحق في أن يرد باستنكار ورفض لما طلبت، فليس عيبًا أن يوجد رأى ورأى آخر، أما عن حجم مشاركة الناس فى تظاهرات 30 يونيو فهو أمر يُمكننا أن نبحثه ونختلف فيه أيضا؛ فقد يقول شخص: إن من خرجوا في جمعة 30 أغسطس 2013م كانوا أكبر من أي يوم منذ 25 يناير 2011م وحتى الآن.

– أما عن الحديث بشأن تحذيرك من حدوث عنف محتمل وسيلان الدماء في الشوارع حال عدم تعامل الرئيس مع الواقع قبل 30 يونيو فهو حديث جيد، ولكن الواقع يقول إن من حسم الأمر يوم 3 يوليو 2013م ليس أي طرف من أطراف الشارع، بل طرف المؤسسات النظامية المسلحة، وكان من المهم منك بالطبع مطالبتك الرئيس بالتجاوب السياسي مع الموقف، ولكن هنا يبرز سؤال هل صوّرت فيديو أو راسلت جبهة الإنقاذ وتمرد وطلبت منها ومن سينزلون الشوارع يوم 30 يونيو الالتزام بالسلمية ونبذ العنف وكف الأذى؟

فلا يُمكن أن أتعامل مع نتيجة العنف (على الرئيس إجراء انتخابات رئاسية مبكرة)، وأترك سبب العنف (منفذي العنف ومموليه وداعميه السياسيين).

– أنت تقول أنك بعد ذلك:

(قررت أسجل فيديو محاولة لزيادة الضغط على الرئيس محمد مرسي بيطالبه بإنقاذ الديمقراطية وحماية الدم المصري وعمل انتخابات رئاسية مبكرة)، وهنا يتجدد السؤال: لماذا الإصرار على استغلال اللحظة فى الضغط على الرئيس كل الضغط، ومحاصرته، رغم التأكد من أنه سيكون هناك عنف ودم وقتل، وأيهما أسبق؟

إن المروءة تستوجب أن نضع حدًا للعنف وندينه بكل سبيل، ونُعري منفذيه وداعميه من السياسيين والإعلاميين ونمنع سبب العنف أولا، ثم نُطالب بعد ذلك بالنتيجة السياسية التي نُريدها أن تحدث بضغط سلمي، وليس بحرب شوارع أو حرق لمقرات أحزاب أو محاصرة للمساجد والوزارات والمنتخبين فى مختلف المؤسسات!

كما أن بالرجوع للفيديو المذكور تبين أنك طالبت الرئيس بالاستقالة قبل 30 يونيو، وليس إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وقلت: إن الرئيس خسر كل الأصوات التي فاز بها في الانتخابات، فى تعميم هو أيضًا تكرار لمنهج “الوهم”، فإيهام الناس ليس حلًا.

– القول إن البديل يومها عن الانتخابات الرئاسية المبكرة سيكون فتنة بين المصريين “برضوا” وهم، فعلينا أن نفرق بين ثلاث بدائل كانت متاحة يومها:

أولا تظاهرات معارضة كبيرة تتجمّع، ثم تنتهي كسابقاتها وكفى الله مصر الفتن؛ واستمرار الرئيس حتى يونيو 2016م، وإجراء انتخابات مجلس نواب (2013 – 2018)، والحزب الفائز بالأغلبية يُشكل الحكومة، ويكون منه رئيس الوزراء، فقد يكون (سعد الكتاتني عن حزب الحرية والعدالة – محمد البرادعي عن حزب الدستور – حازم أبو إسماعيل عن حزب الراية – عبد المنعم أبو الفتوح عن حزب مصر القوية – …….) هذا هو البديل الأول.

والثاني هو تظاهرات معارضة كبيرة تتجمع وتمارس العنف والحرق والقتل، وهذا ما كان يهدد به مباشرة، أو ضمنا، بعض السياسيين والإعلاميين، وبعض شباب الثورة أو المحسوبين عليها؛ مما يُجبر مؤسسات الحكم على الرضوخ والخروج بصفقة وحل بين القوي السياسية، بما فيها القوى الإجرامية والفلولية، وليس توافقا بين مكونات الشعب المختلفة.

البديل الثالث وهو ما حدث: انقلاب عسكري!

– إذًا فإعلان الرئيس عن استفتاء شعبي أو انتخابات رئاسية مبكرة كان ممكنا، بشرط أن يستمر العنف والإجرام فى الشوارع لأيام أو لأسابيع من قبل بعض شباب الثورة أو المحسوبين عليها، ويجد هذا العنف دعما من جزء من الشعب، وتواطؤ من الجيش والشرطة، وانهيار معنوي فى جانب القوى الشعبية المؤيدة للرئيس، وحصول انسداد فلا انتخابات برلمان ولا قدرة على إحداث أى تغيير أو استمالة أى طرف للطرف للآخر، أو فرض معادلة جديدة أو حسم أي طرف سياسي للصراع؛ فمتى حدث هذا الانسداد كان يُمكن الوصول لانتخابات رئاسية مبكرة يفوز فيها حازم أبو إسماعيل أو خيرت الشاطر أو الفريق السيسي أو سامي عنان أو يونس مخيون أو أي شخص.

– علينا أن نزن المواقف فى ضوء الحدث، فلو راجعنا مواقفنا جميعا منذ 30 يونيو وحتى 3 يوليو ومنها المنشور “البوست” الذى اعتذرت أنت عنه أستاذ وائل، سيُمكننا أن نقيّم المواقف والإدراكات والتوجهات والقيم التي تحكم السلوك والفعل، وهذا ما يجعل موقف الرئيس موقفا مشرفا نبيلا لا يُمكن تجاوزه بحال، ويجعل موقف حاضري بيان 3 يوليو موقفا إجراميا يستحق المحاكمة.

– وفي النهاية حقيقة أنا شخصيًا لا أريد منك أكثر مما قدمت للثورة، ولكل مرحلة دور ولكل دور رجال، عاشت ثورتنا وشعاراتها الصادقة التى كتبت بدماء آلاف الشهداء على أشرعة سفينة لا زالت تُبحر وسط أمواج محنة البلاد العاتية تبحث عن شطآن العيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والشريعة الإسلامية و…

– شكرا جزيلا.

ورسالتي الآن لنا، لكل مصري: “تشبثوا بالأمل لتحيا مصر”، تحيا فى غد أفضل ينبذ فيه الجيش العنف ضد الشعب ويترك السياسة وشئون الحكم، ويستقل فيه الأزهر ويتحرر ويملك قراره وسيادته، وتقوم الكنيسة بمراجعات تضبط فكرها وممارساتها فيما يخص السياسة والشأن العام، وتعترف قوى الشعب الحية: من جماعات وتيارات إسلامية بأخطائها وكوارثها، وتتوب القوي السياسية العلمانية عن إرهاب الناس، فى إرادتهم الحرة، أو مصادمتهم فيما يؤمنون به، ويكف الإعلام عن ممارسة جرائم الأفكار ونشر الحقد والكراهية والإقصاء والتحريض، ويستقيم القضاء وينتهي انحرافه ويغسل عاره، وتتطهر الشرطة وتُهيكل وتكون خدمًا لبسطاء الناس، ويعتدل حال الاقتصاد وينتهي الفساد والغش والجشع، وتنصلح أحوال الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات، ويجد الشباب مكانه فى قلب النظام وأركانه ويقرر مصير الحاضر والمستقبل، ويعم السلم والأمن  في عصر ذهبي من المودة والالتئام، وينتهى الوهم والإيهام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد