“لا تصدق كل ما تسمع وصدق نصف ماترى واترك النصف الآخر لعقلك” تصريحات غريبة أطلقها وزير الثقافة المصري “حلمى نمنم” منذ أيام عبر وسائل الإعلام بشأن القضية الفكرية للنموذج “الوهابي” والتي زعم فيها صعوبة قبول المصريين ذلك الفكر حتى لو كان يحقق نجاحًا في بلد ما – المملكة العربية السعودية – مشيرًا إلى أن الدولة المصرية يجب أن تتحلى بالروح العلمانية وأن تصبح الفطرة السائدة في أرجائها على حد وصفه!

تلك التصريحات والهجمات ليست الأولى من نوعها في الإعلام المصري وخصوصًا فيما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير وما صاحبها من تخوفات في التحول للنموذج السعودي فيما يتعلق بالفكر (الديني السياسي) فبدأت الحملات الإعلامية عبر الصحف والقنوات الفضائية في الطعن في الفكرة ونقد الحركة الوهابية وجذورها بل وصلت إلى رميها بأنها مؤامرة – صهيوأمريكية – استخدمت لضرب الدين الإسلامي في ذلك الوقت! ومن خلال الدور الإعلامى المتخصص في العبث في العقول المصرية عبر التاريخ استطاعت زرع الكثير من المفاهيم المغلوطة عن تلك “الفكرة” والتي أطلقوا عليها ثقافة “الصحراء” أو “البدو” دون أدنى مراعاة للتناول العلمي أو الموضوعى للفكرة! وإذا ما سألت أحدهم ما هي “الفكرة الوهابية” فلن تجد إجابة واحدة منطقية على ذلك السؤال!

ولذلك، وخلال هذا المقال فإننا سنتعرض لواحدة من أهم الأفكار الإصلاحية التي ظهرت في الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر الميلادي، لعلنا نصحح الكثير من تلك الأفكار المغلوطة، ونطلع الشعوب على حقيقة تلك الدعوة وما صاحبها من تجديدات في الأسلوب الدعوى والسياسي، عبر نقاط سريعة ومختصرة.

 

 
في البداية .. فإن الحركة الوهابية تنسب لمؤسسها “محمد بن عبد الوهاب” المولود في 1703م في بدايات القرن الثامن عشر الميلادي وتلك التسمية خاطئة جملةً وتفصيلًا، فإن الحركة وإن كانت بقيادته الروحية فقد تولى زعامتها “محمد بن سعود ابن مقرن” مؤسس الدولة السعودية الأولى، ولم تنسب الحركة له رغم قيادته العسكرية والسياسة وفضَل أعداء وخصوم ابن عبد الوهاب في نسبها له، لجعل الحركة تبدو وكأنها معتقد ديني جديد كما ظهر في “حركة الخوارج” أو “طائفة الحشاشين” وبذلك تكون الفرصة سانحة لتحريك العالم الإسلامي ضده والتي تمثلت في جيوش خلافة الدولة العثمانية في ذلك الوقت!

 
ثانيًا: معظم الذين يهاجمون “الحركة الوهابية” التي نشأت في الجزيرة العربية لا يدركون في الأساس أن هناك حركة ظهرت وحملت الاسم نفسه هي “الحركة الوهابية الرّستمية” والتي نشأت في بلاد المغرب في القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجري بزعامة “عبد الوهاب رستم” من الشيعة “الآباضية” ومؤسس “الدولة الرّستمية” في المغرب وتزعم تلك الحركة أن المؤمن لايرى الله يوم القيامة، وتعطل الصفات الإلهية، ولهم بدع فيما يتعلق بالتوحيد والعبودية، ويكفرون المرء مرتكب الكبيرة … إلخ، وغيرها من المعتقدات الشيعية الفاسدة .. وقد خلط الكثير من الناس بين الدعوتين رغم تباعد الزمان بينها لأكثر من عشرة قرون لكن الاستشراق والتدليس في معظم الكتب الدينية والتاريخية ساعد على قبول تلك المفاهيم!

ثالثًا: لا تعتبر الحركة الوهابية في الجزيرة العربية معتقدًا دينيًّا سعى لفرض نفوذه على البلاد والعباد ، لكن الحركة الوهابية ظهرت كدعوة إصلاحية دينية خصوصًا لما ظهر في “الدرعية” – مدينة سعودية – من مظاهر الشرك وعبادة القبور وتعليق التمائم والتوسل بالأشجار التي زعم الناس أن كبار الصحابة قد أكلوا منها! أو كما حدث في واقعة “قبر زيد بن الخطاب” شقيق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والذي طاف حوله الناس أعوامًا! وتلك المظاهر الشركية دفعت العديد من العلماء ورؤساء القبائل في تلك البلاد إلى رفضها والدعوة إلى تصحيح العقيدة الإسلامية ولذلك يمكن القول أن ظهور تلك الحركة كان مؤيدًا حتى قبل قيادة “محمد بن عبد الوهاب” بنفسه الإصلاح والذي بدأه في مدينة النشأة “العينية” وقامت منها حركته الإصلاحية والتي باركها بعد ذلك الشيوخ والعلماء في نجد ومناطق القبائل العربية، ولذلك يجب علينا أن نوضح أن الأمر لم يكن سياسيًا مطلقًا في بداية الأمر على الأقل!

رابعًا: بعد توسيع رقعة الإصلاح الديني رأى محمد بن عبد الوهاب ضرورة أن يكون هناك وليًّا لأمر المسلمين في تلك البلاد، وحتى لا تعود مظاهر الشرك مجددًا. وتلك النقطة تحسب للشيخ المجاهد فلو اعتبرنا أن الحركة سياسية بحتة هدفها السيطرة وفرض القوة لكان أولى بأن ينادي “بن عبد الوهاب” بنفسه زعيمًا للمسلمين وخليفة لهم في تلك البلاد! لكن نرى كيف وقع مبايعة مع أمير “نجد” محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى على السمع والطاعة، وكافأه “بن سعود” بأن سمح له بنشر الفكرة الإصلاحية في نجد والدرعية دون أدنى مقاومة ويكون له الأمان في الجزيرة العربية.

ونستطيع أن نقول أن محمد بن عبد الوهاب تحرك ومن خلال تلك النقطة في فرض الدين في البلاد عبر السياسة الرشيدة ولا يُعتبر ذلك مستهجنًا لأن الخلافة العثمانية في ذلك الوقت كانت تحكم بنفس الفكرة من الصين وحتى بلاد المغرب العربي وهي إقامة الدولة الإسلامية الموحدة.

خامسًا: راقبت “إنجلترا” التحركات القوية لتلك الدعوة الإصلاحية وماصاحبها في ذلك الوقت من اتحاد بين القبائل في الجزيرة العربية وجيوش الحركة التي حاربت بها دعاة القبور والمضللين – حسب رؤيتهم – في ذلك الوقت وفرض نفوذها على “القصيم والطائف والمدينة المنورة ومكة المكرمة” والتي دخلها بن سعود وأعطى أهلها الأمان وبويع فيها أميرًا للمسلمين في تلك البلاد، حتى وصلت جيوش الحركة لبلاد الشام هنا رأت الحكومة الإنجليزية ضرورة القضاء على تلك الحركة فحرضت “محمد علي باشا” على القتال ضد الوهابيين وبالفعل أرسل حملة بقيادة ابنه “إبراهيم باشا” وكبد الحركة خسائر فادحة في بلاد الشام، ثم انسحب منها مجددًا بعد أن فرض نفوذًا مصريًّا خالصًا عليها.

ثم عاد مرة أخرى في حملة ثانية وثالثة والتي وصل فيها للدرعية وهنا تم أسر عبد الله بن سعود الكبير آخر ملوك الدولة السعودية الأولى، وأرسله لمصر ومنها إلى الأستانة العثمانية وذلك عام 1819م! تلك الواقعة والتي دبرتها إنجلترا نستطيع أن نطلق عليها – إصابة العصفورين بحجر واحد – فقد انتهت من بسط سيطرة الحركة في بلاد الشام والجزيرة والتي ستحتلها بعد سنوات من ذلك التاريخ، ونجحت في تشتيت جيش “محمد علي” والذي مثل تهديدًا للمصالح الأوروبية في اليونان والمغرب العربي والدولة العثمانية!

سادسًا: جميع المراجع التاريخية تتحدث عن كيفية علو النظام الوهابي في المنطقة العربية في تلك الفترة والحروب والنزاعات التي قادتها في البصرة وكربلاء وغيرها من البلاد والتي تُظهر الحركة وكأنها تسعى للنفوذ السياسي وهذا المنطلق كتب عنه الإنجليزي “ستيفن شوارتز” في كتابه “الإسلام في المملكة السعودية” قائلًا “إن محمد بن عبدالوهاب نشر دعوته بالسيف في الجزيرة العربية، وذلك حينما تبناها زعيم أو شيخ قبيلة نجدية اسمه “محمد بن سعود” في عام 1744م، وأعجب بها، وعدّها أيديولوجية مقبولة ترى في العثمانيين أجانب احتلوا البلاد بالقوة، وقد أمدته الوهابية بالمصداقية لتشكيل حملة مسلحة للاستيلاء على مكة والمدينة”. وطبعًا ذلك ليس صحيحًا فإن الحركة الوهابية سياسيًا ظهرت كما ظهرت وقتها الحركة المهدية في السودان والحركة السنوسية في شمال أفريقيًا وغيرها من الحركات الداعية لتطهير البلاد من الفكر الأجنبي وبعث الروح الإسلامية من جديد، لكن التحامل الزائد على الحركة كونها مصبوغة بطابع ديني.

 

 

سابعًا: أخيرًا ورغم الخلاف الديني الذي كُتب في بعض المراجع الإسلامية وهجوم الكثير من العلماء على الفكر الديني للوهابيين إلا أن ذلك ليس دليلًا على الإفساد، فجيمع الآراء الدينية الحالية خاضعة للصواب والخطأ واختلف الأئمة الأربعة فيما بينهم من قبل، وبالتالي لا يجب الأخذ باعتبار الحركة الوهابية مخالفة للدين ولكن لها رؤية دينية يتفق معها من يتفق ويختلف معها من يختلف دون أن يؤثر ذلك في إيمان الفرد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد