هل تمعنت في آيات القرآن الكريم؟ هل لاحظت كلمة الانتظار ومشتقاتها فيه؟ هل تعلم أن الانتظار هو من مفاهيم القرآن، وأنه من الأسس الرئيسة في تحقيق الوعد الإلهي؟ لنأخذ بعض آيات الكتاب المبين، ومن ثم ندخل إلى صلب الموضوع.

1. (قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَىٰ) طه – 135.

2. (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) هود – 93.

3. (وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ)) هود – 122.

4. (قُلْ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ) يونس – 102.

التربص والترقب هما بمعنى الانتظار، وأن الآيات المباركة تتناول موضوع الانتظار بطبيعة عقائدية إسلامية، وهي من أهم العقائد التي تظهر عدل الله تعالى ورحمته بعباده، فالانتظار ليس مقتصرًا على فئة أو مجموعة، بل هو انتظار للجميع، للمشككين وللمؤمنين، حتى أنه تعالى يبين أهمية الانتظار عندما يجعل نفسه منتظرًا لتحقيق وعده ووعيده.

أحد أهم الأهداف وراء الانتظار هو إمهال الإنسان وإعطاؤه فرصة للتوبة والتراجع، ووضعه امام الحجة الدامغة والتي لن تعطيه الفرصة في المستقبل بالتحجج والاحتجاج على الله تعالى كما في قوله عز وجل: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ) هود – 134، ولكن وبعد أن بين لهم الحقائق فإنه تعالى يوضح لهم بأنه في حالة تربص لما سيؤولون إليه في حال تكذيبهم للرسل واتباعهم لأهوائهم، وهم أيضًا يتربصون لما سيجدونه بعد موتهم وانتقالهم من هذه الحياة إلى الحياة الأخرى.

أما الانتظار لما سيجدونه حاضرًا في هذه الحياة الدنيا، فالله تعالى يتوعد الكافرين بأنهم سيلاقون مصير من سبقهم من عبدة الطاغوت وعليهم فقط الانتظار حتى موعد حصول هذا الوعيد، وفي الطرف الثاني من المعادلة فإنه عز وجل يعد المؤمنين بأنهم سينصرون وينتصرون وما عليهم سوى الثبات بالصبر والعمل الصالح وانتظار الفرج، يقول تعالى: (فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ ۚ قُلْ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ. ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ) يونس – 102-103.

ولم يقتصر الوعد للمؤمنين بانتظار النصر فقط، بل انتظار الفرج الكبير والذي فيه سينتصر الدين الإسلامي على كل الأديان الأخرى ويسود حكم الإسلام على كل العالم كما في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) التوبة – 33، وهو ما نؤمن به في ان رسالة النبي الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي التي ستظهر على كل الديانات رغم كل محاولات العالم في إخماد نورها وإطفائه، وإن كان هذا الأمر لم يتحقق لغاية اللحظة، وإن الإسلام ليس ظاهرًا على كل الأديان فهذا يعني أن الأمر يتطلب الانتظار، حتى موعد تحققه كما في قوله تعالى (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) الأنبياء – 105، وهذه الوراثة التي يتكلم الله عنها لا تتحقق إلا بالإيمان والعمل الصالح، ومن غيرهما معًا لن يتحقق هذا الوعد، ولكن الله تعالى في الآية المباركة يخبرنا أن الأمر حاصل لا محالة، وأن هناك من سيحقق هذه الكيفية في جمع الإيمان بالعمل الصالح الخالص لله تعالى، وأنهم هم من سيرثون الأرض، وهم من سيعلون كلمة الله (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور – 55.

ما دورنا كمسلمين في هذا الوقت؟

قبل أن ننتظر الوعد والوعيد علينا أن نحدد أي الأمرين نحن في انتظاره ليتحقق فينا، إن كنا نريد الوعيد فليس علينا سوى أن ننحرف بإسلامنا، وأن نتبع أهواءنا، وأن نفرق المسلمين، وأن نطعن بهم وننشر التكفير والإرهاب في العالم لطمس اسم الإسلام أكثر فأكثر، أما إذا كنا نريد الوعد فيجب أن نحقق بقدر المستطاع شروط الله تعالى لمن سيكون لهم النصر والغلبة، في تحقق الإيمان والعمل الصالح واتباع الإسلام المحمدي الصحيح الأصيل، أن نكون أمة تتحمل المسؤولية بصورة جيدة لتنشر الخير باسم الإسلام، أن نكون رحماء فيما بيننا متكاتفين على نبذ الفرقة والقتل فيمن يخالفنا من أبناء طوائف المسلمين، وعلينا أن نعلم أننا في تراجع ونعيش حياة الضعف والهوان؛ لأننا نظن بأنفسنا على حق، ولو كنا كذلك وكنا من المؤمنين والعاملين للصالحات لكان وعد الله قد تحقق فينا، ولكننا نعيش في غفلة وغرور وحمية كحمية الجاهلية الأولى أو اشد منها.

أعاننا الله وإياكم على بلوغ مراتب المؤمنين والعاملين للصالحات، والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد