عجيبةٌ هي الدنيا

حين كان قويًا، وعندما يحل المساء، وعند عودته إلى بيته حاملًا أكياس صغيرة فيها من الحب والحنان ما يسع العالم أجمع يتهافت عليه أبناؤه يقبلهم ويقبلونه، يحتضنهم بكل حب، بالرغم من شدة تعبه، فهو يرمي هذا التعب خارج منزله، ليغدق عليهم الحب والحنان، منهم من يتسلق على كتفيه، ومنهم من يمسك قميصه، حتى يكاد يمزقه، وهو مبتسم ينسى كل شيء لمجرد ضحكة من أبنائه.

نعم هذا هو الأب الذي يموت تعبًا يوميًا لأجل إسعاد أبنائه.
لكل منهم رحلة طويلة جبلت بالحب والعطاء والتجارب، كيف وجدوا أنفسهم بعد مضي العمر في دور رعاية المسنين؟
أهو الهروب من الفقر.. الحاجة.. المرض.. أم الإهمال.. ونكران الجميل وعقوق الأبناء!
إنهم الآباء والأمهات هم الذين أفنوا أعمارهم في تربية وخدمة أسرهم وبلدهم وأعطوا كل ما في جعبتهم.. فإذ هم مهملون في دور العجزة لاحول ولاقوة.
هل من المعقول أنه لم يبق لهؤلاء المسنين أي مكان في حياتنا سوى الذكرى؟!

حتى هذه الذكرى لم تبق موجودة وبخلنا بها عليهم يوميا اقرأ وأرى على التلفاز او حتى في دار المسنين القريب على منزلي قصصًا تروى وحكايات تصلح أن تكون أفلامًا ومسلسلات، ولكنها ستكون أفلاما قاسية لما فيها من العقوق ونكران جميل الآخرين.

ما هي دور رعاية المسنين؟

هي خدمة ورعاية كبار السن من المواطنين الذين تخلى عنهم أهلهم أو باتوا وحيدين بدون كفيل أو معيل، وهي خدمة تقوم بها دوائر الشؤون الاجتماعية في أغلب دول العالم أو الجمعيات الخيرية المدعومة من أموال المساعدات والتبرعات، ومنها ما يتبع الدولة أي الحكومة، ومنها ما تتبع جهات دينية كالكنيسة أو المسجد أو المعبد… إلخ حسب الديانة السائدة.

كيف يصل المسنون إلى دور الرعاية؟

لهذه الظاهرة أسباب كثيرة، قد يكون أهمها وأوّلها عدم وجود مَن يُعيل هؤلاء المسنّين.
– في ظل غياب الرعاية عند الأهل أو الأقارب تصبح الحاجة إلى هذه الدور ماسّة لأنها تؤمّن المأوى والحاجات الأساسية لمَن ينتظر خاتمة أيامه.
– حين تفقد المرأة زوجها أو العكس، ولا يوجد أبناء أو أقارب يكون الدار هو أقرب وسيله للعيش بكرامة في آخر أيام العمر.
– يلجأ الأهل أو الأقارب إلى وضع المسِنّ في دور الرعاية بسبب عدم مقدرتهم تحمّل إعالته ماديًا بسبب الفقر.
– إذا كان المسن مريضًا وبحاجة إلى رعاية صحيّة خاصة، وأهله لا يستطيعون متابعته، فيكون الدار أقرب إليه من أهله.
ولكن من أكثر الحالات التي توصل الأهل إلى دور الرعاية هو زواج الأبناء نعم فالمرأة القادمة لا تتحمل الرعاية والاهتمام بهؤلاء والرجل لايستطيع أن يخالف رغبة زوجته في عدم خدمة أمّه أو أبيه.. يكون الحل هو إلقاء هذا المُسِنّ في دار بعيد وتمضي الأيام وينسى الاولاد هذا المسن، فهم في أغلب الأحيان لايزورونه أبدًا.

خدمات دور المسنين

– الإيواء والمعيشة الكريمة، والكسوة الصيفيّة والشتويّة.

– الخدمات العلاجيّة، والإشراف الطبيّ المستمرّ، والتشخيص وتقديم العلاج لكلّ المرضى.

– تقديم العديد من الأنشطة في مجال الترفيه والثقافة والصحّة، مما يجعلُ المسنّين على تواصل مستمرّ مع المجتمع.

متى انتشرت هذه الظاهرة ؟

هذه الظاهرة منتشرة في اوربا بسبب التفسخ العائلي المتفشي هناك وعدم الانتماء للعائلة منذ زمن بعيد. وهي موجودة في مجتمعنا، ولكنها  انتشرت وبكثرة قبل عقدين من الزمن الأسباب كثيرة ومنها:

-انتشار القيم المادية.
– تفكك أواصر المحبة بين الآباء والأبناء.
– طغيان الاهتمامات الفردية والمصالح الشخصية على أفراد الأسرة.
– نكران جميل المسنين، وماقدموه من تضحيات حين كانوا شباباً فقد حرموا انفسهم من كل شيء لأجل إسعاد أبنائهم لبسوا الأسمال كي يلبسوا أبناءهم الجديد تحملوا الجوع والتعب من أجل راحة فلذات أكبادهم.

الأديان والوالدان

نعم كثيرًا ما شددت الأديان على محبة واحترام والتعامل بالحسنى مع الأهل، وخاصة الوالدين منهم، فالإحسان والبر ليس عطفًا عليهم، بل هو رد لجميلهم وما تحملوه من أجل أولادهم، فهذا أقل واجب يمكن أن يعمل لهم.

فقد ذكرت الكتب السماوية نصوص عدة لا يسعني أن آتي بها كلها، ولكن سأورد بعضها:

ففي القرآن يقول الله عزوجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً [الأحقاف:15]. وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23]. وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [النساء:36].

اما بالنسبة للأديان الأخرى، وما ورد في سفر الخروج في الوصايا العشر: “أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك”. (20: 12). وكذلك ما ورد في سفر التثنية: “أكرم أباك وأمك كما أوصاك الرب إلهك لكي تطول أيامك…”. ( 5: 16). “أكرم أباك بكل قلبك ولا تنس مخاض أمك* اذكر أنك بهما كونت فماذا تجزيهما مكافأة عما جعلا لك* اخش الرب بكل نفسك”. (3:29-31).

كل الأديان توصي بالأبوين خيرًا وإحسانًا

فليس من المعقول أن ننسى إلى هذا الحد سهر أمهاتنا وتعب آبائنا علينا خوفهم وتفكيرهم وجهدهم في أن نكون أفضل وأن لا نحتاج أي شيء.
كيفية الحد من هذه الظاهرة وحصرها بمن لا يوجد لديه أهل أو أقارب ؟

هذه الظاهرة يجب أن يحد منها في مجتمعاتنا من خلال عدة أمور إذ إن تأييد انتشار دار العَجَزَة تشجيع للعقوق؛ بانتشارها سيكون التخلي عن المسنين أمرًا عاديًّا، لتصبح دار العَجَزَة بذلك محفزة للأفراد للتخلي من  مسؤولية رعاية المسنين والاعتناء بهم، وسيؤدي ذلك أيضًا إلى التملُّص من الروابط الأسرية، وسيجعل الأواصر العائلية مفككة كما في الغرب.

فيجب الحد من هذه الظاهرة من خلال:

– ان تتكفل الدولة بتوفير وإعانة العوائل الفقيرة، وإيجاد سبل العيش الكريم، كما هو حال أغلب دول العالم.
– زرع روح الحب وتنميتها وتقوية الروابط الأسرية.
– عمل زيارات ميدانية للأطفال والشباب إلى هذه الدور بين حين وآخر؛ ليتسنى لهم معرفة كيف يعيش المسن داخل الدار وكيف يفتقد من يحب، وغيرها الكثير من الأمور كأن يكون تسليط الضوء إعلاميًا على هذه الظاهرة سن قوانين تحمي المسنين، إيجاد أماكن ترفيه لهم.
* يقول أحد المسنين، وهو متحسر، والدموع تملأ عينيه بسبب سوء معاملة ابنه له: لما لا يعتبرني ابني الذي أفنيت عمري في تربيته وتعليمه لأراه رجلًا، وأحفادي من حولي يتراكضون؟ لما لايعتبرني كولد من أولاده؟

فهل من المعقول أن ننسى كل شيء هل من المعقول حين ننظر الى جبينه المتكسر بخطوط  العمر؟ ألا نسأل أنفسنا ما هذه الخطوط؟ وإلى ما ترمز؟

فكل خط منها يرمز الى محطة توقف عندها قطار عمره فهي تَحملُ فيضًا من الذكريات الحزينة أكثر منها المفرحة.

أفراح وأتراح تحمل تلك الأماكن في ذاكرة العمر الذي يمضي بلا عودة، كل خط من تلك الخطوط يرمز إلى أيام سهر وتعب وحمل ثقيل يرمز إلى سنين يرى فيها الأبناء يكبرون ويشتد عودهم، منهم من أصبح مهندسًا، ومنهم من أصبح طبيبًا، أو معلمًا، نعم ربى أجيالًا تنفع مجتمعها بحبة وعرق جبينه.

ليودعونه حين ينبت ريشهم في دور النسيان منتظرًا الفناء منتظرًا الموت وحيدًا في هذه الدور دور رعاية المسنين، وكأنه كان وحيدًا منذ البداية، ليس له أولاد، وكأنه عاش نكرة في هذه الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد