ما الذي يجمع رئيس الجمهورية بقائد ميليشيا “الجيش الإسلامي للإنقاذ” مدني مزراق؟ لا شيء سوى أن كليهما اقتربت نهايته لكنه لا يشعر، بل إن كلًا منهما يعتقد أنه آن له الأوان أخيرًا ليقطف ثمار 16 سنة من العمل!

مدني مزراق الذي قاد كتائبه لسنوات طوال أرهق فيهما الجيش ــ وأرهقه الجيش أيضًا ــ كان في مواجهة عسكري اسمه إسماعيل العماري، أقنعه هذا الرجل بأن البلد قد تم تدميرها بالكامل وأن الصراع الذي كان طرفاه واضحيْن قد اتسع ودخلت عليه “جماعة إرهابية” تحركها قوى أجنبية تريد بالجزائر شرًّا، وألمح له من طرف خفي أن بعض تلك الجماعات المنفلتة من عقالها تجد دعمًا ما من جهات عسكرية داخلية ترغب في استمرار المأساة الوطنية بفعل فكرها الاستئصالي وذهنها التغريبي.

يسكت “سي إسماعيل” قليلا ثم يقول لمدني مزراق بلهجة مختارةٍ بعناية أنه يفضّل محاربة هؤلاء المجرمين على محاربة مزراق.. ثم يضيف أن ما بينهما من قواسم أكبر بكثير مما يفرقهما وأن كليهما ضد التغريب والتغرير بالبلد وأن عدوهما واحد.. اسمه “ولاد فرنسا” حتى وإن اختلفت طرقهما في حب الجزائر!

سريعا ينفتح قلب مرزاق وتنقدح في ذهنه أفكار المصالحة وتوحد قوى الجيشين الشعبي و”الإنقاذ” في مواجهة “أعداء الشعب خونة الأمة”.. ولا يطالب بشيء لنفسه ولا لأفراده سوى الإعفاء من الملاحقات القضائية وورقةً يوقّع عليها الاتفاق تسمح له لاحقا بممارسة السياسة بعد مرحلة من الهدوء “الذي يحتاجه البلد” كما أقنعه الحاج!

بعد سنوات طوال سيكشف عسكري اسمه الجنرال بن حديد أن هنالك “تواطؤات” بين بعض قادة الجيش وقادة بعض الجماعات الإرهابية.. وسيقول بوتفليقة ردا على رغبة مزراق في إنشاء حزب سياسي كما وعده إسماعيل العماري” وعليه، فإننا من جديد نؤكد أن خيارات الشعب التي رسمها القانون المتضمن إجراءات الوئام المدني وميثاق السلم والمصالحة ستنفذ بحذافيرها وبلا أدنى تنازل”!

معنى هذا أن الورقة التي سلمها له المرحوم العماري لا تساوي ثمن حبرها، وأن قاعدة التعامل معه هي “ميثاق السلم والمصالحة” الذي يمنعه من ممارسة السياسة وفق القراءة التي يصر عليها النظام. لن يتطوع أحد بإخبار مزراق أن “الحاج” كان قد درس تاريخ عائلته وعرف أنهم مناضلون، وأن منسوب الوطنية عندهم راشحٌ، وأن اللغة الأفضل في مخاطبة مزراق هي لغة “الوطن يحتاجك ويجب أن تضحي”!

لن يخبره أحد أنه فيما كانت تفعل “التواطؤات” فعلها بين بعض قادة الجيش وقادة الجماعات الإرهابية، كانت مفاوضاته مع “الحاج” تتمة لخطة محكمة تقتضي تعاون إستراتيجيتين هما “نقل معسكر الرعب” بما يحويه من مضامين سيئة، ومغازلة “جيش الإنقاذ” بحيث تكون النهاية إخضاعه عسكريا وسياسيا وإعادة أفراده للحياة المدنية، فيما يستمر “المتواطؤون” بالتمسك بجبال البلاد ولا يتحركون إلا في مواقيت شديدة التميز!

 
سيكتشف مزراق أن “الحاج” ليس فردا ضد باقي أفراد عائلة الحكم، بل فرد معهم يخدمهم بطريقته ويخدمونه بأخرى.. أنه أراحهم من مزراق وأن آمال الأخير بحزب سياسي لن تتحقق، فلم يكن في ذهن الحاج أو بوتفليقة أصلا أن يمنحوه حزبا بل إعادته من الجبل والتحايل عليه أطول فترة ليظل صامتا أو يمارس إزعاجا كلاميا. أما إن أراد السياسة والانتخابات وما إليها فسيتم إفهامه بكل طريقة ممكنة للفهم أن دون ذلك خرط القتاد. باختصار لقد “زُحلِقَ” مدني مزراق وانتهى أمره بالنسبة للعصبة الحاكمة الآن.. لقد انتهى أو يكاد.. ولكنه لا يدري.. وربما لو سألته الآن لأصر على أن “الحاج” كان معه رجلا.. وأن ابن فليس تعهد له باسم بوتفليقة بتركه ينشئ حزبا وأنه يثق في كليهما.

رجل آخر يجلس إلى جانب النهر ويرى جثث أعدائه.. جثثهم السياسية طبعا، هو بوتفليقة، لا يهم إن كان عزيزا أو سعيدا فلم يعد هنالك فروقات واضحة جدا بينهما.. رجل سعيد.. تخلص من كل قادة المخابرات الذين طالما أشعروه أن الرئاسة جاءت بفضلهم.. ولديه قائد جيش يتفق معه كثيرًا اسمه القايد صالح، والطريق أمامه ليختار خليفته ويغادر المنصب عزيزا أو يحكمه من وراء الستار سعيدًا. المسكين لا يدري أنه حين أُزيح زعيم المخابرات من منصبه فلم يكن ذلك نتاج صفقة خارجية وحسب، بل نتاج “قوة صلبة” داخلية أرادت ذلك أيضًا، قوة أزاحت رجال الجنرال توفيق ولكنها لن تتوقف قبل أن تزيل كل آثارهم، ومن آثارهم بوتفليقة نفسه، قوة شابة لا يمثلها قايد صالح وحده بل جيل جديد من قادة العسكر يشعرون بالفراغ السياسي الذي لا يمكن أن يملأَه رجل مريض ورئيس وزراء يحب الضحك وحكومة أقرب للنكتة. قوة تعرف أن معركتها الحالية هي تنظيف جبهة الجيش الداخلية ثم تفكيك الجهاز السياسي الاقتصادي الذي كان متحالفا مع “الماجور”. وأخيرًا تقرير المستقبل بما يتفق مع رؤيتها له.

يجلس العزيز السعيد فرحا بما تحقق. يزيد سروره حين يرى خصومه طعاما للصحف، وقريبا أمام القضاة. وهو لا يدري أنهم أولى وجبات الأسد.. وأنه الوجبة الرئيسة! رجلان يعملان منذ 16 سنة.. أحدهما يلقي السلاح ويعلن استعداده لمحاربة الإرهاب، ويدافع عن بوتفليقة في وجه خصومه، ويمنح النظام ما يشاء من وقت قبل أن يعلن حزبه. وثانيهما يزيح الخصوم ويهندس السياسات ليتخلص من المنافسين.

حين ترتفع الستارة وتشتغل الأضواء سيعلم كلاهما أنهما نظفا المائدة بعناية وأنه قد آن للأسد العسكري أن يجلس بهدوء ليتناول عشاءه.. وأن ليس أمام أولهما إلا الصمت أو المحاكمة، وليس أمام ثانيهما إلا الرحيل.. أو المحاكمة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد