العُجْبُ يمنعُ الازدياد، ومن رضي عن نفسه كثُرَ الساخطون عليه، والعاقلُ من عقل نفسه عن هواها واستفاد من أعدائه بما يصلح به من شأنه. هذه حقائق لم تَغِبْ مطلقًا عن الكبار من أهل الهمم ومرتادي القمم، في حين أنّ النرجسيين يتباهون بأعمالهم وهو ما يضيعُ عليهم فرصًا للتألق والإبداع استنزفوها في الزهو والفرح في الأرض بغير الحق والمرح. رسالتي لك عزيزي القارئ في هذه السطور هي: «لا تسمع نفسك». وسأسوقُ لك سيلًا من الأدلة التي تعزز هذه الرسالة، ولكن قبل أن أتطرق للحديث عن الأدلة، اسمح لي – ولنكون منصفين – أنّ نوضّح الرسالة لتؤدي الأدلة المعنى المراد منها.

لا تسمع نفسك! أريد بها أن تكون متزنًا، فدائمًا ما أقول: «بني الإنسان على الاتزان»، فالاتزان في كل شيء حكمة ورحمة. من ذلك أن رجلًا أتى ابن عباسٍ رضي الله عنهما فقال: يا إمام! أين أجدُ في كتاب الله هذا المعنى … كلُّ التناهي شطط، خيرُ الأمورِ الوسط؟! فقال ابن عباسٍ الفقيه حبرُ الأمة وترجمان القرآن تجده في قوله تعالى «ولا تجهر بصلاتِك ولا تخافت بها وابتغِ بين ذلك سبيلا»، وتجده في قوله تعالى «والذين إذا أنفقوا لم يُسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما»، وتجده في قوله تعالى «ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقِكَ ولا تبسطها كل البسط». هذا التبيان القرآني يشير لأهمية الاعتدال في التناول، سواء أكان تناول القضية أو المسألة أو الفكرة مهما كانت أبعادها، وقد جنح أقوامٌ للعنفِ وسفْكِ الدماءِ باسم الإسلام حينما شطحوا بعيدًا عن المنهج الإسلامي القويم، فاستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله وأقبلوا على الفتنة غير آبهين.

لا تسمع نفسك! أريدك بها ألا تبالغ في تناول الأمور بالتهوين أو التضخيم، ولكن ضع الأمور في نصابها الصحيح. القادة والمصلحون ورواد الإيجابية في العالم أجمع يحلمون أحلامًا كبيرة، وفي ذات الوقع يقرأون الواقع قراءة حكيمة تسمح لهم باستثمار الواقع لخدمة أحلامهم الكبيرة، يساعدهم في ذلك المرونة العالية في تناول الأحداث مع التوازن في تقدير الأمور دون إفراطٍ أو تفريط. لا تسمع نفسك! هي دعوة صادقةٌ للنجاح، ذلك أنك تقفُ بها على أرضٍ صلبةٍ لا تخدعك ولا تمور بك في موارد الهلكة والخسار. إنّ نداء «لا تسمع نفسك!» أول من فرّط فيه إبليس، فسمِع لوسوسة نفسه إليه فقال بغطرسةٍ: أنا خيرٌ منه! تخيل معي أنّ إبليس لم يسمع نفسه، هل كان ليشقى؟! أصدق في الجواب.

لا تسمع نفسك! فالنمرود بن كنعان ما دفعه للكبر والعصيان إلا أنه سمِع نفسه وأطاعها فيما جنت به عليه، ولولا أن ابن نوحٍ عليه السلام قد أطاع النفس اللجوج لكتبَ اللهُ له النجاة. فرعون سمع لنفسه في هذيانها وجموحها وقد بلغت من سطوتها عليه أن استخفَ قومه فأطاعوه، فكان إمامهم إلى النار. قارون لما كابر واتبع هواه وقال إنما أوتيته على علمٍ عندي، وكأنه يدبر الأمر من عنده، فكان لمن خلفه عبرةً وآية.

لا تسمع نفسك! تنقل لنا كتب التاريخ أن العقلاء يسمعون من أنفسهم ولا يسمعون أنفهسم وشتان بينها، فالذي يسمع من نفسه يسمع كذلك من غيره فيوازن بين المصالح والمفاسد، يفتح له ذلك الباب على مصراعيه ليدرأ المفسدة ويتمسك بالمنفعة. في حين أن من يسمعون أنفسهم يسمعون أنفهسم فحسب، يتملكهم العناد والاستبداد برؤيتهم للأمور، ومن المعلوم أنه من استبد برأيه هلك. لا تسمع نفسك! لا تسمعها لتنجو، وتذكر هذه المعركة جيدًا، إنها أسرعُ معركة في تاريخ الفتوحات الإسلامية … معركة عين التمر. في هذه المعركة يتجسد لك وبصورةٍ لا تقبل المراء التأصيل الذي أطرحه عليك، لا تسمع نفسك!

عقة بن أبي عقة كان قد تقدّم في عشرةِ آلاف جندي لقتال جيش سيف الله المسلول، وقد صورت له نفسه أنّه يقوى على ردع القوات الخالدية، بل وجنح به هواه إلى أن يباغت المسلمين، لم يعبأ بحقيقة أنّ خالد بن الوليد ليس باللقمة السائغة، وتجاهل عن طيب خاطرٍ الحكمة القائلة: إذا سلِمْتَ من الأسدِ فلا تطمع في صيدِه. فقرر الأسد اقتناص الفريسة، وقد أصدر أوامره باختطافِ عقة من بين جنده في أرض المعركة! يالها من هزيمة مخزية لهذا الذي سولت له نفسه – صلفًا غرورًا – أنه يستطيع تنفيذه. وبالهجوم الخاطف الذي اقتنص المسلمون به عقة من بين جنده، دبت براثن الوهن والهزيمة في جيش عقة، وأطلقوا سيقانهم للريح في هزيمةٍ قاسيةٍ مريرة. لو عاد الزمان أدراجه لعصى عقة نداء نفسه، ولأوصى ولده بما نسطر له الآن: يا بني! أجهز عليّ وعلى جيشي أنني استمعت لنفسي وطاوعتها في غيها، يا بني! لا تسمع نفسك!

إنّ الموازنة بين اتباع المرء لرأيه وهواه وبين الأخذ بمشورة الصادقين والمتخصصين أمرٌ يجمع لنا بين أصالة الفكرة وجودة القرار، وهذه مسألةٌ لا ينتطح فيها عنزان. ولذلك عليك أن تتريث قبل تنفيذ الفكرة التي طرأت عليك وتأخذ بتلابيب عقلك جيدًا، ثم تعرض الفكرة على من تطمئن إلى مشورته، واستشر في أمرك الذين يخافون ربهم لأن المستشار مؤتمن. ثم توكل على الله بعد ذلك، ولا تركن لدرجتك العلمية أو خبراتك الحياتية وحدها، لأنّ نفسك تميل بك لما تريده هي، وقد تتغلب عليك إن لم تكن عزيمة قوية على مجابهة سلطتها الجبارة. لذلك لا تسمع نفسك إنّ كانت تشير بك إلى ما يقلل من رصيدك الديني والعلمي والاجتماعي، فعليك أن تعصاها وأن تعمل جاهدًا لما فيه نفعك ونفع مجتمعك حتى تلقى الله وقد أديت الأمانة التي كُلِّفْتَ بها، لتحظى بالرحمة والمغفرة.

لا تسمع نفسك! لا أطلب منك البتة أن تقضي على ثقتك بنفسك أو أن تلغيها على الإطلاق، إنما المراد هو الموازنة بين ما تميل إليه النفس وبين الحق والواقع. فلقد كان معاوية بن أبي سفيان على وشك الاستماع إلى نفسه التي طالبته بالفرار من المعركة، وقد كان قاب قوسين أو أدنى من ساحة القتال، إلا أنه استعان بالخبراء من خلال تمثله لبيت شعرٍ كان له الدافع الأكبر لبقاء معاوية داخل بقعة الأسنة والرماح، فقد تمثل معاوية ببيت عمرو ابن الإطنابة الأنصاري: (وقولي كلما جشأت وجاشت مكانكِ تحمدي أو تستريحي).

لا تسمع نفسك! إن دعتك للشرور والآثام، إن زينت لك قطيعة رحمك، إن حسنت لك التطاول على أولي الفضل والعلم وأهل المروءات، إن سولت لك أن الحرام هو الطريق المختصر للنفوذ والسلطة، إن أوهمتك أن النجاح يكون بالمرور على رقاب الآخرين واستغلال مواهبهم وابتزازهم، إن جاشت بك نحو الموبقات والمهلكات، عندها فعليك صدقًا ألا تسمع نفسك!

أما إذا ما دعتك نفسك للطاعات والقربات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات، وراحت تحلِّقُ بك في رحاب العلم والحكمة وأبواب الخيرات، فحيهلًا وقر عينًا بذلك، إن عاتبتك على هفوةٍ بدرت منك لضعفك البشري، فألِنْ لها جانبك واخفض جناحك، وكن من الشاكرين إذ أنّ الله وهبك نفسًا تعينك على الحق والهدى، واعلم أن النجاح بمدافعة هوى النفس وترك ميدان لذاتها، فمن أكبَ على الشهوات عض على اليد. حاول جاهدًا أن توازن بين ما تمليه عليك نفسك وبين الطريق القويم، فإن تقاربا فهرول وإن تباعدا، فرجاءً لا تسمع نفسك!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد