لعلَّ أعمال الدكتور وليد سيف الدرامية من أشهر وأجود ما قدمته الدراما العربية منذ أن ظهرت، فالدكتور وليد سيف صاحب اطلاع لا يدانيه إليه أحد، فضلًا عن لغته الجزيلة الرصينة التي يكتب بها؛ إذ إن أنامله قادرة على تطويع القلم بشكل يشد المتلقي حتى لو لم يكن له اهتمامٌ بما يتمُّ تقديمه، وبذلك يكون الدكتور وليد سيف قد استطاع تأريخ أشدِّ اللحظات مفصليةً في تاريخ الأمة، وصهر ذلك في قالبٍ أدبيٍّ رصين متين؛ أوفى على الغاية العظمى، وهي تقديم التاريخ ببياضه وسواده، واستخلاص العبر أفضل مما قد يفعل المؤرخون أنفسهم في كثير من الأحيان.

إن متابعة أعمال الدكتور وليد سيف بالنسبة لي أحد أهم الواجبات التي أقوم بها كل سنة مرة، لما في ذلك من فائدة ومتعة لا نظير لهما؛ بل لما في ذلك من تجددٍ للحكمة والعبرة في كل مرة أشاهد فيها هذه الأعمال؛ وقد عزَّ ذلك في زمنٍ يعجُّ بالانحلال الديني والخُلُقِي والفكري مما تشهده الدراما العربية في يومنا هذا.

وقد يلحظ المتابع لأعمال الدكتور وليد سيف أنه أمام مفكرٍ عظيم وفكرٍ جليل؛ بُثَّت ركائزه ومنطلقاته في سائر الأعمال بالقدر ذاته، ولعلَّ في تلمُّس ذلك فائدة عظيمة لعموم العرب اليوم؛ ممن يرومون أعمالًا درامية هي مِزاج الحكمة والمتعة، تسلط الضوء على واقع الحال، وتربط الماضي بالحاضر والمستقبل.

الفرد صنيعة الجماعة

يعي الدكتور وليد سيف أن الفرد لا يصنع التاريخ وحده، ولا يخلق الفرص وحده، ولا يحقق الإنجاز وحده؛ يستوي في ذلك الضعيف والقوي، والأمير والمأمور على حدٍّ سواء. وقد جعل هذا منطلق أعماله كلها، وركيزتها الأولى؛ وصرَّح بذلك صراحةً في غير ذات مشهدٍ؛ ففي المشهد الافتتاحي لمسلسل صلاح الدين الأيوبي، والذي أدار فيه حوارًا ماتعًا على لسان شخصيتي العمل: صلاح الدين الأيوبي والقاضي الفاضل، يقول الدكتور وليد سيف على لسان صلاح الدين: «إن كان لا بد، أيُّها القاضي الفاضل، فلا تذكرني بما ليس فيَّ؛ فنحن مسؤولون، واذكر أن سيرة السلطان ليست سيرة رجل واحد يملأ الزمان، إنما هي سيرة الزمان في الرجل، فاتقِّ الله فيما تكتب، ولا تجعلني مُبتدأ الأمر ومنتهاه، إنما أنا رجلٌ في أمة».

ونجد مثل هذ التصريح في مشهد آخر، وهو المشهد الختامي المهيب لمسلسل صقر قريش، إذ يقول فيه وليد سيف على لسان عبد الرحمن الداخل: «لو كانت سيرة المرء تنبئ عن سِيَرِ غيره، فلربما كان لي خيار، ولكن: أبو مسلم، أبو سلمة، الإمام محمد بن علي، الإمام إبراهيم بن محمد، الوليد بن يزيد، مروان بن محمد، بَلَجُ القشيري، عبد الملك بن قَطَن، أبو الخطار الكلبي، الصميل بن حاتم، يوسف الفهري، وآخرون لا أحصيهم أعرف بعضهم ولا أعرف جُلَّهم. كلُّ هؤلاء كانوا ينسجون خيوطي وخيوطهم معًا، كانوا يكتبون ما يملون أو يُملى عليهم من سِيَرِهم وسيرتي معًا، وأنا أيضًا كنتُ أنسج خيوطي وخيوطهم، وأكتب سيرتي وسيرهم معًا، ونحن ندري ولا ندري؛ كأنها شبكة الصياد».

وحتى لو لم يصرح الدكتور وليد بذلك صراحة، يبقى لسان الحال أبلغ من لسان المقال؛ فكلُّ هذه الأعمال ابتداءً من صلاح الدين، مرورًا بالسلسلة الأندلسية والتغريبة الفلسطينية، إلى مسلسل عمر، كلها أعمال بطولة جماعية، تعرض الحياة كما هي، ولا تتمحور حول شخصية البطل فقط كسائر أعمال الدراما التاريخية؛ فالشخصيات كلها تسهم في صناعة الحدث، بل في صناعة الشخصية محور العمل ذاتها. وفي دراما الدكتور وليد، قد تغيب الشخصية الرئيسية – إن جازت لنا هذه التسمية – حلقة أو أكثر، يتمُّ فيها نسج الأحداث من قبل الشخصيات الأخرى بكافة أطيافها، وإظهار المساهمات الفعلية لها وبما يوفيها حقَّها، حتى لو كانت هذه المساهمات يمكن تجاوزها واختصارها لصالح تكثيف الضوء وتسليط الكاميرا على الشخصية المحورية.

وقد طالت مسلسل عمر انتقادات بسبب عرض فترة خلافة عمر – رضي الله عنه – في ربع المسلسل تقريبًا، مقابل الإطالة في عرض السيرة النبوية وفترة خلافة أبي بكر – رضي الله عنه – وبَسْطِ الأحداث والوقائع التي سبقت خلافة عمر – رضي الله عنه – بشيء من التفصيل، وجُلُّها أحداثٌ لم يكن لعمر – رضي الله عنه – دورٌ عظيم فيها. وهذا انتقاد قد يكون محلَّ اعتبارٍ ونظر إذا ما أعرضنا عن فلسفة الدكتور وليد سيف ونظرته إلى التاريخ والشخصيات التاريخية، أما عند الانطلاق من هذه الفلسفة أثناء المشاهدة، فإننا نضع الأمور في نصابها الصحيح، وندرك تمامًا أن كل يوم قضاه عمر – رضي الله عنه – قبل أن يتولى الخلافة ساهم في صناعته وصناعة يومٍ من أيام خلافته، وأن كل شخصية قابلها عمر ساهمت في نسج جزء من شخصيته التي ظهرت وتجلت في أيام خلافته، وهكذا هي الحياة فعلًا.

المرأة في أدب الدكتور وليد سيف

للمرأة في أعمال الدكتور وليد سيف حظوةٌ ومكانة رفيعة، تمتزج فيها الأنوثة والرقة بالحزم والشدة؛ هي المرأة الجميلة والأم الرؤوم والزوجة الأمينة والمفكرة العظيمة والعالمة الجليلة والحاكمة المدبرة. لقد أظهر الدكتور وليد المرأة في أعماله بأبهى صورها وحللها، فلا ضير من أن يجتمع في امرأة واحدة جمالُ الخُلقِ والخِلقة والعقل الراشد، ولا مانع من أن تكون قادرة على الحزم وإحكام التدبير والخُطَّة مع إظهار العاطفة والرقة والأنوثة وما يخالط ذلك من حبٍّ للزوج وغَيرةٍ عليه، واحترامٍ للأبِ وتبجيلٍ له، وحُنوٍّ على الابن، بل إنَّ هذا هو الأصل الذي يجب أن تتمثله المرأة، لا أن تكون نسويةً متطرفة تُسفِّه أنوثتها وتتشبه بالرجال، أو منعزلةً لا شأن لها إلا التزيُّن والتجمُّل.

إن جمال المرأة الحقيقي يكمنُ في عقلها الراجح، وهو ما يضفي على المرأة جاذبية لا يفطن لها إلا العظماء من الرجال، فهؤلاء يبحثون على الدوام عن المرأة الذكية الحاذقة الواعية العالمة، ولا يرون أن الأنوثة تكتمل إلا بمثل هذه الصفات؛ كما انجذب صلاح الدين ومن قبله نور الدين للخاتون، وعماد الدين لصفوة الملك، ويوسف بن تاشفين لزينب النفراوية، والمنصور بن أبي عامر لصُبح، وعبد الرحمن الداخل لحلل، وبدر لزينب. هذه نماذج عظيمة رسَّخت الحب في أبهى صوره؛ الحب كما يجب أن يكون لا كما ذاب في وعينا، وتسرَّب إلى وجداننا، وشُوِّه في ضمائرنا.

لا ينقضي الحديث عن أعمال الدكتور وليد سيف وفكره، ولعلَّ مقالةً أخرى تجمعنا بجوانب جديدة مما فاض علينا به هذا المفكر الأديب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد