من علم ومن لم يعلم، سكنتُ في حياتي مدنًا كثيرة، ولكن الله أراد لعقلي الراحة قليلًا، وكانت أغلب الشوارع التي سكنتُ فيها شوارع رئيسة، معروف السبب من تسميتها، وأما الدروب والحواري والأزقة والجوانب منها التي سكنت فيها كانت قليلة للغاية، وكانت في الأغلب تكون لعدة أيام قليلة لا تطول، قليلًا ما كنتُ أفكر في سبب تسمية شارع ما باسم شخص ما.

ولأكون واضحًا، كثيرًا ما كنت أفكر في سبب تسمية ممر عبد القادر الخياط باسم عبد القادر الخياط، بحثتُ كثيرًا عبر الشبكات والكتب، ولم أجد سببًا حتى اليوم لاسم هذا الممر الذي سكنت فيه فترة طويلة من عمري في مدينة الرياض بالأراضي العربية السعودية.

كثيرًا ما كنت أسير في الشارع الرئيس بحي المنفوحة في الرياض، وأقول لنفسي: لماذا سُمي هذا الشارع باسم المنفوحة العام، ورغم انني سكنتُ على مقربة من شارع الكعكي بمدينة مكة المكرمة، ورأيت شوارع تتسع إلى أكثر من 60، رأيتُ السعوديين يسمون شارع الستين بمفرده شارع الستين، دون اعطاء باقي الشوارع الأكثر اتساعًا في أن تسمي بنصيبها من الأمتار.

على عكس السعودية التي أخذت جزءً كبيرًا من تفكيري وحيز طفولتي، أجد أن مصر تمتلئ بمسمى سابقًا، مثل شارع جزيرة العرب، الذي لا أدري ما اسمه الحالي؛ لأني لا أهتم بقراءة لافتة عناوين الشوارع بالمهندسين، لكنه على حد علمي أصبح عليه لافتّة: جزيرة العرب سابقًا.

أول ما علمه الناس من منطقة وسط البلد هو شارع فؤاد تقريبًا، ولحد علمي أنه سُمي بعدة أسماء قبل اسم فؤاد، ولكني أعلم اسم فؤاد بسبب تلك الشجارات الطويلة بيني وبين أبي؛ حيث إن وصف أبي لأي عنوان من عناوين وسط البلد تبدأ دائمًا بأنه يقول: عارف شارع فؤاد؟ اذهب الي جوجل ماب، وأقول له بكل وضوح: أقسم بالله جوجل نفسه مش عارفه، وتستمر المشادات العصبية بيننا، حتى يبدأ بقول: شارع ستة وعشرين زفت يا سيدي.

أعلم اسمًا وراء اسم فؤاد، لأن أبي ولد ونشأ عليه تقريبًا، لكن هناك بعض الحقائق التاريخية التي تؤكد أن أبي العزيز ولد وشارع ستة وعشرين يوليو كان ستة وعشرين يوليو كما هو الآتي:

سُمي الشارع في بداية الأمر باسم شارع بولاق، وظل في عهد الملكية إلى سنوات طويلة يحمل هذا الاسم، ومن ثم تم تغيره إلى شارع فؤاد حتى عام 1952، وفي عام 1952 عندما غادر الملك فاروق الإسكندرية مر بهذا الشارع الطويل الذي يبدأ من العتبة، وينتهي في منطقة السادس من أكتوبر، وفقًا لخرائط المحافظات المصرية، وهيئة الطرق والكباري، والدي ولد عام 1960 وفقًا للأوراق الرسمية لسجلات القلعة، أي أن أبي ولد بعد ثماني سنوات بعد تغير اسم الشارع.

السؤال الذي ينتج من الفقرة السابقة، كيف الشارع الذي بدأ من كورنيش النيل وحي بولاق استحال من أكتوبر حتى محطة العتبة، والحقيقة تقبع في قصر عابدين الذين رحل منه الملك فاروق، إذ إن الطريق من قصر عابدين حتى الطريق القديم إلى الإسكندرية يعبر من خلال كل تلك المناطق، وسط البلد، من ثم بولاق وجامعة الدول، ثم سور نادي الزمالك، حتى أكتوبر التي لم تنشأ بعد في ذلك الوقت.

إن كنت مقتنعًا بتفسيري السابق، فأنت رجل مغفل، لا أدري لماذا أصبح الشارع بهذا الشكل، ولكني تخيلت الأمر كذلك، بالإضافة إلى أننا إذا وضعنا ما قلته باعتباره حقيقة، يصبح المهندس الحقيقي لمنطقة السادس من أكتوبر ومشاريع الطرق الصحراوية من إسكندرية حتى طريق الواحات ومنطقة العلمين وجبل الجلالة إلى الملك فاروق، أو (الباشمهندس) الملك فاروق.

ربما الملك فؤاد والملك فاروق فرصة لأصبح أقرب إلى حقيقة هذا المقال بأكمله، أصبحت شوارع العالم شاهد عليه بشكل ما، وأصبح من الواضح أن الشوارع تعكس طباع الدول، أمضي حياتي الآن في إحدى قرى إمبابة التي من المفترض أنها قرية زراعية، ولكني لم أجد فيها نبات سوى الحشيش الذي يُباع علي نواصيها، وهذا إن لم نحتسب أسواق الخضروات، الناس هنا قاموا بتسمية كل شيء تقريبًا، ولكم بعض الحكايات.

عندما كانت جدتي لأمي في طفولتها، كان شريط القطار يقسم بشتيل إلى شرق الترعة وغرب الترعة، في غرب الترعة تحديدًا يقع شريط القطار الذي كان بالنسبة لجدتي يسير إلى يوم القيامة، أما شرقها فكانت تسكن جدتي، وكان سكان الشرق مزارعين يتمتعون بنعمة أن ضريبة مرور القطار على أجساد البشر لم تصل إليهم ذات يوم.

كانت والدة جدتي لأمي تقول لجدتي إن هناك تحديدًا تسكن سيدة تُسمي سعدية، امرأة إذا أمسكت بطفلة لن ترجعها لأهلها، وأنها في الحقيقة ليست من صنف البشر، إنما هي إحدى الجنيات وظهورها لا يأتي بخير على أحد مهما كان، ولم يفلت أحد ذات يوم منها، وكانت مشكلة سكان شرق الترعة أنهم يواجهون الموت غرقًا وفقدان أطفالهم، ولذلك كانوا حريصين على عدم اقتراب الأطفال إلى تلك المنطقة.

كبرت جدتي، وكبر جيلها القديم، وعاصروا عصر عبد الناصر، ولكن كل هولاء الأطفال في الشرق أصبحوا يخشون منطقة الترعة تلك، والتي تقريبًا أمام شوارع كثيرة رئيسة، ومسكن سعدية جارة الطفولة، وأنيسة كوابيس الليل، القُطعة أو القوطعة، وكانت جدتي – أطال الله عمرها – تقول لي دائمًا في ذهابي لها وإيابي: (إياك تعدي الأُطعة).

في مطلع الستينات ربما أو في السبعينات أتى رجل ليفتح أمام المزلقان ورشة حدادة، حداد أسماه الناس فيما بعد الحاج لعبة، وأسموا الشارع الذي تسميه الحكومة شارع الجمعية الزراعية باسم آخر هو أقرب إلى قلوب سكانه جميعًا: (لعبة)، وفيما بعض تناقل الناس عرفًا بينهم بأن شرق الترعة جميعه اسمه (لعبة والستة متر) أما غربها (بشتيل البلد والمخزن)، ولكل ذلك تراث لأجيال عاشت في هذا المكان، وتراث تحفظه ذاكرة البشر في حكاياتهم الدافئة، وأما في أوراق الحكومة ليست مذكورة إلا نتيجة لتوارث الأجيال هذه الأسماء، الخرائط تتجاهل هذه الأماكن، ولا تسميها سوى أسماء لا يعلم الناس عنها وجود أو سبب.

كُنت الحقيقة أشعر طوال الوقت أني أسكن في قلب التاريخ، اعبر من جهتين طوال طفولتي حتى اليوم، إذ إن جدى لأمي وجدي لأبي كانا أخوين، وكانت جدتي لأمي قريبة جدي لأمي، وكذاك كان عند أبي، ولكن جداي كانا يسكنان في غرب الترعة (بشتيل البلد والمخزن)، وكذلك جدتي لأبي رحمها الله، أما جدتي لأمي بمفردها سكنت شرق الترعة (لعبة والستة متر)، كلما ذهبت إلى بيت أحدهم، حيث أن البيتين متجاوران في منطقة بشتيل البلد، كانوا يجيبون أسئلتي حول طفولتهم بصعوبة تذكر تلك السنوات البعيدة، وكنت أشعر أني أملك سجل هذا المكان.

والذي قررت الحكومة المصرية تذكره فجأة، وأن تعطي له يا قارئي العزيز أهمية أن يكون له خرائط حقيقة بلا شيوع وتيه في حيز المكان، ولا غياب التطور ليمثل التيه من حيز الزمان، وكانت أول ما قررت الحكومة أن تعترف به لشعبها مثل سائر الحكومات لسائر الشعوب، أن تسمى الشوارع بأسماء غير أسمائها، وأن يضعوا كوبري يمر بشارع الجمعية الزراعية والشارع الكبير لكي تطمس قصصهم إلى يوم القيامة، ويكون اسم الكوبري والشارع الملك عبد الله.

ولكن الحكومة قررت أن تغير رأيها، في هذا الطريق الذي سيصبح فيما بعد طريقًا هامًا في حياة مواطني هذا المكان، ومواطني غيره من الأماكن من كثرة الكباري التي ستعبر عليه، فقررت الحكومة أن تسمي الكوبري والشوارع باسم كوبري وشارع الملك سلمان.

جميع الحكومات لا تعلم أهمية الذاكرة الحية المحيطة بين الناس، يريدون مصالحهم وأموالهم على حساب هذا المكان، يريدون إنهاء القُطعة مع تاريخ وفاة جدتي، ويريدون ذهاب اسم لعبة بذهاب أبنائه من منزله، أو إغلاق الورشة التي مات صاحبها منذ زمان، أن يخفوا كل ما تركه المخزن من حوادث في ذاكرة من عاشوا حوله، بتوصيل الغاز، وهضم البيوت التي تقع على النواصي، وجعل اسم الشارع: الشيخ زايد، الحقيقة لا أريد إنهاء علاقات الود المبالغ فيها، ولا أقصد في مقالي أن أهين حاكمًا أو محكومًا أو دولًا بعينها، ولكني أتساءل يا سادتي عن الإنسان، أين يقع الإنسان في التاريخ، إذ يمحو كل دقيقة ما حوله من شواهد، على أنه أتى من حيث بدأ الآخرون؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد