يقول الفيلسوف الألماني نيتشه “إن الأفكار التي تأتيك وأنت تمشي هي فقط ذات القيمة العظيمة“. والحقيقة أن الاعتياد على المشي يجعلك متأكدًا تمامًا من هذا الكلام؛ فقد اكتشفت مؤخرًا أن أغلب قراراتي اتخذتها وأنا أمشي، فكلما صادفتني مشكلة، أو تطلب الأمر مني الحسم في بعض الأمور، وجدتني أضع قدماي داخل أول حذاء أصادفه وأمشي؛ مما جعلني أتساءل عن عدد الكيلومترات التي قطعتها في حياتي جيئة وذهابًا، خاصة وأن صلتي الوطيدة بالمشي صلة قديمة بدأت عندما كنت أحفظ دروسي “مشيًا”، إما في البيت أو في حديقة إحدى المؤسسات الثقافية القريبة من بيتنا، فلم أكن أجلس إلا للقراءة أو الكتابة.

وارتباطي هذا بالمشي، كان قبل أن أقرأ مقالات علمية عديدة تعتبر المشي رياضة مثالية لصحة الجسم، إضافة إلى كونه يساعد على تنشيط الذاكرة ويعزز وظائف المخ؛ مما يجعل شلالات الأفكار تنهمر عليك بغزارة، ويمنح لخيالك فسحة لكي يحلق كيف يشاء.

وهو في الحقيقة ما يفسر النقاشات الحادة التي كنت أخوضها مع أفكاري، حتى إنني أزعم بكوني كتبت أثناء المشي نصوصًا كثيرة، وخواطر بدت لي وقتها من الروعة بمكان، غير أنني لم أتمكن من تدوينها بعد ذلك، فلم أكن حريصة وقتها على حمل قلمي ومذكرتي، وربما لأنني لم أكن قد سمعت بعد بنصيحة الإمام الشافعي لألتزم بها:
العِلمُ صَيدٌ والكِتابةُ قَيدُهُ *** قَيِّدْ صيودكَ بالحِبالِ الواثِقَة
فَمِن الحَماقَةِ أَنْ تَصيدَ غَزالَةً *** وتَترُكها بَينَ الخَلائقِ طالِقةَ

ومن الأشياء التي قرأتها عن المشي، كانت عن أولئك الفلاسفة الرواقيون في اليونان، الذين اتخذوا منه ملهما لهم، حيث ولدت نظرياتهم الفلسفية في الوجود والحياة أثناء المشي، مما أهلهم أن يحملوا لقب “سادة المشي” بجدارة. ومن بين الأفكار التي جاء بها الرواقيون فكرة اللامبالاة، وهي تعني بالنسبة لهم كبح جماح العواطف والمشاعر، وترك زمام القيادة للعقل. قصد الوصول إلى السلام الروحي والسكينة الداخلية.

ماذا لو كان هؤلاء الرواقيين موجودين في عصرنا الحاضر؟ سؤال خطر ببالي وأنا أكتب هذه السطور. أتصور أنني كنت سأقابلهم مرارا وتكرارا أثناء تجوالي هنا أو هناك، كنت ولا شك سأقاسمهم نظرية اللامبالاة تلك، لربما خففوا من وطأة حرصي الزائد على الأشخاص والأشياء من حولي، ولكنت وفرت على نفسي الكثير من المتاعب و“وجع القلب”.

غير أنه إذا كان مفهوم اللامبالاة عند الرواقيين يصل حد السلبية وعدم الاكتراث بأي شيء، فإن هذا السلوك مذموم على إطلاقه، وغير مقبول مجتمعيًا ويتعارض مع قيم المواطنة والعيش المشترك، لكن وبالرغم من ذلك فإن الكثير من مشاكلنا اليومية تحتاج بالفعل إلى حد معقول من اللامبالاة والتجاهل، وعدم أخذها مأخذ الجد.

فما دام الفرد يؤدي واجباته الدينية والدنيوية بإخلاص وضمير حي، مع إيمان لا يخالطه ريب، أن الله تعالى هو من يملك – وحده – النفع والضرر، العطاء والمنع، فلماذا يسمح لمشاعر الإحباط والأسى أن تتسلل إلى قلبه وتنسج فيه خيوطًا من ألم؟

فإذا كنت – أيها القارئ الكريم – ممن يمشون على الأرض هونا، ويتبعون الصراط المستقيم، فما ضرك بما تفعله معك الدنيا ومن يقيم فيها؟ ولذلك، كلما فاتك حلم جميل، اصنع واقعًا أجمل ولا تبال، وكلما خذلك من وثقت به، دع الأيام تقتص لك منه ولا تبال، إذا أعطيت كثيرًا ولم تلق سوى الجحود، احتسبها صدقة لوجه الله ولا تبال، إذا سمعت كلامًا سيئًا يقال عنك، تذكر أن ذلك ينقص من رصيد سيئاتك ولا تبال، حتى لو ابتليت بمن يعرقل خطواتك في الحياة، امشي ولا تبال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك