إن العلاقة بين الآباء وأبنائهم أصبحت تواجه الكثير من الاضطرابات وعدم الاستقرار في أحيان كثيرة. فالآباء مسئولون وإحساسهم بالمسئولية يجعلهم دائمًا كمن يبدو في دور المتسلط. وهذا الدور ربما لا يُرضي الكثير من الأبناء. لذا نجد أن العلاقة أصبحت شائكة نوعًا ما، يشوبها الكثير من حيرة الأبناء وتمردهم في أحيان كثيرة، وغضب الآباء وضجرهم في أغلب الأوقات لأنهم لا يجدون تفسيرًا لسلوك أبنائهم غير أنه نوع من الجحود بعد كل هذا العطاء الممتد. هذا الجحود الذي يُلقِي بعناء سنوات من الشقاء والتعب ويطرحها بعيدًا حيث الأراضين السبع. لذا تزداد العلاقة توترًا وتعقيدًا. لكن ومما لا شك فيه أن الآباء أبدًا لا يتنصلون من مسئوليتهم تجاه أبنائهم. ولن تكون تصرفاتهم ردود أفعال. ذلك لأن لهم دورًا وعليهم واجب عليهم أن يقوموا به.

إنما أقول لنفسي وللآباء هل هذا الدور يتلخص في تلبية الحاجات المادية وبضعٍ يسيرٍ من سؤال عن أحواله وكله تمام وفقط؟ أم أن مسئولية الآباء الأساسية والأهم بالنسبة للأبناء هي رعاية الجانب المعنوي أكثر؟ وعدم إغفال النواحي النفسية والوجدانية لهؤلاء الأبناء، وأن لا نثقل عليهم بأشياء تزيد من تردي أحوالهم المعنوية؟

وربما يتساءل بعض الآباء، أي أعباء تقع على هؤلاء؟ دع الأعباء لأصحابها. إن كل ما يحتاجونه متوفر وبإسراف حتى أن الأبناء من وجهة نظره لم يعودوا يشعرون بقيمة النعم من كثرتها، وهو يطحن نفسه طحنًا وهذا حقيقي لا يستطيع أحد أن يُنكره، فالآباء كل الآباء إلا بعض استثناء بسيط لا يترددون حتى أن يموتوا من أجل إسعاد أبنائهم. إذن فما هي المشكلة؟ ولماذا أصبح الأبناء يشعرون دائمًا بأن آباءهم يقفون أمامهم كحائط مسدود ومصنوع من أجساد آبائهم وهم يسعون دائمًا في سبيل النفاذ منه دون جدوى؟ ولماذا أصبح الأبناء في معزل عن آبائهم؟

إن آباء اليوم هم أنفسهم كانوا بالأمس أبناء آبائهم، لماذا هم يشعرون بأنهم لم يكونوا أبدًا مع آبائهم مثل حال أبنائهم معهم اليوم؟ إنهم يوفرون لأبنائهم أضعاف أضعاف ما كان يُوفر لهم، هو ليس جحودًا لفضل آبائهم، حاشا لله أن يكون. لكنهم كانوا لا يرهقون آباءهم إلى حد الموت ثم يضيقون زرعًا بما يصنعون.

تُرى هل أخطأ الآباء حينما أغدقوا على أبنائهم كل شيء؟

إن الآباء طوال مشوار حياتهم وبصحبة ابنائهم هم أشبه ما يكون بمن يتسلق جبلًا عاليًا، وعليه أن يربط أحزمته خشية أن يُصيب أبناءه أي مكروه أو أذى. يُحكِمون عليهم ربط الأحزمة. ومن البديهي أن قواتهم تساعدهم على التصدي لأي ريح مهما كانت عاتية. وهم على هذه الحال حتى بلغوا بأبنائهم قمة الأماني والأحلام، وهم على يقين تام بأن الأبناء حتمًا سينسلخون عنهم شاء الآباء ذلك أم أبوا، إنما هي العاطفة, ذلك الشيء الفطري الذي لا يستطيع الآباء التخلي عنه، هم يأبون أن يتركوا أبناءهم، على الرغم من أنهم شبه متأكدين بأن الأبناء قد بدا طريقهم أمامهم وعليهم أن يجتازوه صعودًا وبمُفردهم. وهم يُسلِّمون بهذه الحقيقة، أن الأبناء إلى صعودٍ والآباء إلى هبوط. لكن ربما اختلاف الوضع بالنسبة للآباء، والقوى التي خارت والوهن الذي بات واضحًا والفراغ الذي أصبح واقعًا، ربما يخشى الآباء ذلك الانزلاق، فلا أحد يدري على أي منحدر سيكون المُستقر والمُستودع. لذا قد يحتاج الآباء سندًا يشدد من أزرِهم ويحمي ظهورَهم. وليس عيبًا أن يقوم الأبناء بهذا الدور.

إن الآباء إذا ما أعلموا أبناءهم حتى ولو بشكلٍ شبه ضمني وغير واضح تمامًا بأنهم يحتاجون مساندتهم في بعض لحظاتٍ ربما تبدو عصيبة في حياة الآباء، هم بذلك لا يستدرّون عطف أبناءهم ولا يلعبون بمشاعرهم مثلما يفعل بعض الحكام أو الساسة. فالعلاقة التي تربط بين الآباء وأبنائهم في غِنى عن أي دهاءٍ أو لعبٍ بالمشاعر. فلا الآباء في حاجة إلى دهاء ولا أبناء اليوم سُذّج أغبياء من السهل الضحك عليهم. كما أن الآباء ليست متاحة لهم تلك السلطة الجبرية التي يُرغمون بها أبناءهم على الرضوخ لمشيئتهم طيلة الوقت.

نعم أنتم يا أبناء اليوم أذكى وأقدر على كل التحديات. هذه حقيقة لن نقدر على إنكارها. لكنها عاطفة الآباء، فمهما كَبُرَ أبناؤهم سيظلون في أعينهم دائمًا أولئك الصغار الذين ما يزالون بعد مُحتاجين للحماية.

لكنِّى أعود أُذكّركم ثانيةً بأن ما هو آتٍ أقل بكثيرٍ مما قد مضى. ورُبما ذلك العازل الأصم في طريقِه إلى التلاشي. وعندما يحينُ ذلك الوقت وتجدون كل ما سبّبَ يأسَكم قد توارى، هيا اخترقوا أنىّ شئتم، فلقد تهدّم ما كان يمنعُكم، ولم يتبق منه سوى بعض حصى صغير، وذراتٍ من تراب خبئوها في ذاكرتكم، فسوف تكون هذه هي كل ما تبقى من آبائكم.

وحينها عليكم أن تواجهوا العالم بلا حواجز، فإن أحسنتم، أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم، فلن يكون هناك من يبكي لأجلكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد