حينما كتب ابن الوكيل1 فى موشحةٍ له:

غدا مُنادينا محكّما فينا يقضي علينا الأسى لولا تأسّينا
يا جيرةً بانت عن مغرم صب
لعهده خانت من غير ما ذنب
ما هكذا كانت عوائد الحب
لا تحسبوا البعد يغير العهد إذ طالما غير النأّْي المحبينا

فإنه قد أتى فيها على أعجاز2 نونية ابن زيدون الشهيرة، وإنما يدل ذلك على عِظم ما نظم ابن زيدون، وبراعته، وصدق تعبيره ومشاعره، فلا تكاد تبصر شعرَه العيون أو تسمع به الآذان حتى ترق له القلوب وتشفق علي حاله.

الوزير فى قرطبة لصاحبها أبي الوليد بن جهور، وذو الشأن العالى، الأديب البليغ، والعاشق الولهان الواقع فى حب ابنة الخليفة الأمويّ فى الأندلس ولّادة بنت المسكفى بالله.. اتُّهم بخيانته وميله لصاحب إشبيلة المعتضد بن عباد، فما كان من أبى الوليد إلا أن حبسه؛ ليصبح أسير الجسد والقلب معًا.

يخاطب ولّادة من محبسه قائلًا:
ما جال بعدك لحظي فى سنا القمر إلا ذكرتك ذكر العين بالأثر
ولا استطلت ذَماء3 الليل من أسف إلا على ليلة سرت مع القصر

ثم يستدر عطف آسره معاتبًا:
يا مستخفًا بعاشقيه ومستغشًا لناصحيه
ومن أطاع الوشاة فينا حتى أطعنا السُلوّ فيه

يا لأسفي على ابن زيدون!

وقد استطاع أن يهرب من سجنه إلى إشبيلية ليلحق فيها بالمعتضد ويصبح مقربًا إلى مجلسه ومستشارًا له.

هل كان حب ابن زيدون وولّادة من طرف واحد؟!

ربما يلوم البعض ولّادة لما تقول:

أنا والله أصلح للمعالي وأمشي مشيتي وأتيه تيهًا
أمكّن عاشقي من صحن خدي وأعطي قبلتي من يشتهيها

حتي يظنوا أنها قليلة التوقّر سهلة المنال، وقد لا تلقي بالًا لابن زيدون ولا تأبه لمحاولاته التقرب منها. كانت أمها إسبانية وقد ورثت عنها جمالها وعينيها الزرقاوين، أضف إلى ذلك ولعها بالأدب والشعر وإجادتها لهما؛ فاستحقت الثناء والسعي وراءها من كل مفتون.
ولمّا حاول ابن زيدون إثارة حفيظتها وإثارة انتباهها بتعلقه الزائف بجارية لها تجيد الغناء أنشدت:

لو كنت تنصفُ في الهوى ما بيننا لم تهوَ جاريتي ولم تتخيّرِ
وَتركتَ غصنًا مثمرًا بجماله وجنحتَ للغصنِ الذي لم يثمرِ
ولقد علمت بأنّني بدر السما لَكن دهيت لشقوتي بالمشتري

والحق أن من ذاق طعم الهوي مرة، وبلغت به الغيرة مبلغها يستطيع أن يجزم بأن ولّادة كان قد أصابها سهم من سهامه، ليرد عليها الغريب من إشبيلة:

أضحي التنائي بديلًا من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا
بنتم4 وبنّا فما ابتلت جوانحنا شوقًا إليكم ولا جفت مآقينا5
يكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضى غلينا الأسي لولا تأسينا
حالت لبعدكم أيامنا فغدت سودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا

ويتساءل:
هل تذكرون غريبًا عاده شجن من ذكركم وجفا أجفانه الوسن
يخفى لواعجه والشوق يفضحه فقد تساوي لديه السر والعلن
يا ويلتاه أيبقى فى جوانحه فؤاده وهو بالأطلال مرتهن؟

ولّادة الداهية

كعادة النساء، لم تغض ولّادة الطرف عن فعل ابن زيدون، ولم تسمح له أن يمر مرورًا عابرًا، فأرادت أن تشعل غيظه، وتعاقبه عما بدر منه تجاه كبريائها. اتصلت بالوزير ابن عبدوس – سابق الخلاف مع ابن زيدون والواشي به عند صاحب قرطبة ومنافسه فى حب ابنة الخليفة – وجعلت تتظاهر بحبها له رغم أنه كان قليل الذكاء لا يملك إلا مالًا كثيرا لا يرفعه على شاعرنا هناك فى إشبيلية.
وقد نجحت الحيلة إذًا؛ حيث بعث برسالته الشهيرة على لسان محبوبته يهجو فيها خصمه مسترسلًا: أما بعد، أيها المصاب بعقله، المورّط بجهله، البيّن سقطه، الفاحش غلطه، العائر في ذيل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره، الساقط سقوط الذباب على الشراب، المتهافت تهافت الفراش في الشهاب، فإن العُجْب أكذب، ومعرفة المرء نفسه أصوب، وإنك راسلتني مستهديًا من صلتي ما صَفِرتَ منه أيدي أمثالك… إلخ.

ثم يرثي لحاله مع محبوبته ويأسف لما آل إليه أمرهما:
غِيظ العِدا من تساقينا الهوا فدعوا بأن نغصّ فقال الدهر آمينا

صالون ولّادة بنت المستكفي

قضت شاعرتنا حياتها بين الأدباء والشعراء؛ إذ جعلت بيتها مجلسًا للأدب يرتاده المتنافسون، وكانت تقارعهم وتبارزهم بما امتلكت من فصاحة وبيان، ذلك بعد وفاة أبيها.
وإذا كنت من محبي عقد المقارنات وربط الأشباه، فقد يتبادر إلى ذهنك ذكر الأديبة الراحلة مي زيادة التي جعلت من بيتها أيضًا صالون أدبيًا يتوارد عليه المثقفون والكتاب في عصرها، كان ذلك أيضًا بعد وفاة والديها. الغريب فى الأمر أنه قد اجتمع على حبهما زوار المجلسين نظرًا لما كانا عليه من الجمال المادي والأدبي، الأولى تنافس عليها كما رأينا الوزيران ابن زيدون وابن عبدوس وغيرهما، والثانية عباس العقاد والرافعي وجبران خليل. إلا أنه ولغرابة أمريهما قد أحبت الأولى النائي الغريب ابن زيدون وأحبت الثانية المهاجر أيضا جبران خليل، وظلا يتبادلان الرسائل الشهيرة حتى وافته المنية.

النهاية

إنك قد تتعجب حينما تعلم أن ولّادة بنت المستكفى لم تتزوج إلى وفاتها، تمامًا كما رحلت مي زيادة. وإن لذلك دلالة عظيمة: فقد يعيش المرء حياة حافلة يملأ الدنيا ضجيجًا ويجذب الأنظار، ثم إذا هو يفشل فيما يستطيع الفرد العادى النجاح فيه بامتياز. رغم ذلك تبقي علاقة ولّادة وابن زيدون مضرب الأمثال لكل من همّ بالهوي أو قد هام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد