(1)
التاريخ 25-6-2013، المكان: بين السرايات – شارع أحمد الزيات (شارع المرور).
مصر مشتعلة والأجواء ملتهبة والكل يترقب ما سوف يحدث بعد أيام قليلة، يسألني صديقي الغير مهتم بالسياسة “إزاي وصلنا للي إحنا فيه ده يا محمود” أحاول تذكر أسماء أهم المقالات والتقارير الصحفية التي تتناول الأحداث الجارية لأقترح عليه أن يقرأها، فجأة تقع عيني على تلك العبارة على الحائط.

“ده عاوز يكوش على العالم بحاله وده عايز يهوش يعمل ما بداله يعمل ما بداله” مرسوم تحتها صورة لمرسي وأخرى لمبارك.

أتوقف عن تجميع أسماء المقالات في ذهني ثم أقول لصديقي “بص على حيطان الشوارع حواليك وهتعرف إزاي وصلنا للنقطة ديه”.

 

يندهش صاحبي ويظنني أستهزأ به لقلة معرفته بالسياسة، يهز كتفه في عدم اقتناع ثم يطرد السياسة من دماغه ثانية ويحدثني عن ريال مدريد أما أنا فتسيطر الفكرة على ذهني ويصبح هاجسي الأول في الأيام القادمة قراءة أي حائط تقع عليه عيناي.

لم أكن أسخر من صديقي فبعد ثلاث سنوات من الثورة والصراع لا يوجد أصدق من الحوائط لاكتشاف ما حدث، فحرب الكتابات والرسومات على الحوائط هي خير معبر للصراع العنيف الدائر في مصر حاليًا، ويمكن لأي مهتم بالثورة المصرية أن يرى خريطة لا بأس بها لتتابع أحداثها ولتفاعل جميع القوى المشاركة بها والمعادية لها ومعاقل تلك القوى بأن يلتفت قليلًا للحوائط أثناء سيره في شوارع مصر، ففي كل شارع على الحوائط المصمتة سيجد الكتابات والرسوم تكاد تصرخ بما حدث في هذا المكان، فبين سباب للسيسي وكلمات تمجد الشهداء وأخرى تلعن الإخوان أو تقول يسقط الانقلاب يمكن بسهولة استنتاج ما حدث.

 

(2)
بين السرايات – شارع أحمد الزيات مرة أخرى بعد مرور خمسة أشهر.
“يوم 30 العصر الثورة هتحكم مصر” مكتوب تحتها بخط أحدث نسبيًا “أبانا الذي في المخابرات فشختنا”، كلمات قليلة كهذه تختصر عامًا عصيبًا من عمر هذا الوطن وتعبر عن تطور فكر قطاع لا بأس به من أبناء هذا الشعب من مؤيدي 30 يونيو الذين شعروا خلال شهور قليلة بالخديعة فأضاف أحدهم السطر الأخير ليختصر الكثير من الكلمات والسطور والتحليلات في وصف ما حدث.

عن طريق مراقبة الحوائط يمكنك تحديد مناطق نفوذ القوى المختلفة وأماكن الصراع الحالية وأين تم حسم الصراع مؤقتًا، فالمناطق التي نجد حوائطها مغطاة بالدهانات التي تطمس الرسومات وجميع ما كُتب هي أماكن انتصرت فيها الدولة نصرًا مؤقتًا وأحكمت سيطرتها عليها ولم تعد هناك مسيرات، بينما في مناطق أخرى تستطيع أن ترى استمرار الصراع والمسيرات في الكلمات التي تغطي الدهانات على الحوائط مثل “مبروك الدهان الجديد بجانب سباب شهير للسيسي”.

 

أيضًا بمجرد أن تطأ قدميك منطقة مثل صفط اللبن يمكنك أن تشعر أنك تقف في أحد معاقل التيار الإسلامي فمعظم الحوائط مغطاة بعبارات مثل “سيسي قاتل سيسي خائن” وصور ضحايا رابعة والأحداث التي تلتها تنظر إليك في صمت، على العكس من مناطق مثل المنيل وبين السرايات التي تشعر فيها بكراهية التيار الإسلامي فكل خطوة تخطوها في شوارع تلك المناطق سترى سبابًا للإخوان الإرهابيين وصور السيسي معلقة بغزارة.

وبينما يتحدث الإخوان عن بلطجية بين السرايات والمنيل الذين اعتدوا عليهم عند جامعة القاهرة تجد الحوائط هنا تحكي قصة أخرى مختلفة عن إرهابيي الإخوان الذين قتلوا العديد من أبناء هذه المناطق والتي ستجد صورهم تخاطبك في صمت فتستنتج من الحوائط أن ما حدث هنا هي اشتباكات أهلية وأن الحقيقة ليست في رواية الإخوان أو في رواية الحوائط لكن هي مزيج بينهما، هكذا يمكنك أن تسير في صمت في شوارع مصر وترى على الحوائط مختلف الروايات لثورتنا.

 

(3)
لا أحد يعلم إلى أين نحن ذاهبون وهل ستنتصر الثورة أم أنها قد هُزمت نهائيًا، لكن الشيء المؤكد أنه بعد سنوات سيمر طفل صغير وسيقرأ على الحائط “عيش حرية عدالة اجتماعية” فيلتفت لأبيه ويسأله في براءة عن معنى هذه الكلمات التي ربما قد تكون أحد الشواهد القليلة المتبقية على أن ثورة قد قامت على ضفاف نيل هذه البلد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد