في لحظة ظَن أنه لا يستطيع أن يُفارق الحياة دون أن يُعيد قراءة ما قَد يُكتَب عنُه في سطور كُتب التاريخ، ولكِنَه لم يَكُن يَعي أن كُتب التاريخ مُلونَه بأراء المُنتصِر أو مُدعي النصر الزائف وما أكثرهُم في أوطانِنا، فبعد أن تفقد ما حدث مِن تداعيات لقراراته في الشام انحنى برأسِه تِجاه جنوب شبه الجزيرة العربية صَوب حضرموت.

عبدالحكيم : مهما كانت الخسائر الأولية إحنا قدها، الحق معانا وده كفاية علشان نرجع اليمن تاني لأهلها. لم يُدرك التفرقة ما بين البحث عن وطن عربي قوي وقائد لكُل العرب، هُنا كانت المُعضلة التي توقف أمامها المحللون السياسون دون نتائج واضحة، فبعد أن تلقى عبدالناصر ونظامَه الصدمة السورية بعودة الجمهورية العربية المتحدة إلى نقطة الصِفر، كانت حرب اليمن وتبعياتها بمثابة الطامة الكُبرى للدولة والشعب المصري كاملًا.

بعد تحطُم تِمثال الزعامة على أسوار قلاع دمشق، هرول للتنقيب عنها بين هضاب حضرموت ولكن تفتت من بعدِها مشروعُه الحالم بالكامل وكُتبت نهاية الأسطورة القومية بشَكل كامِل.

السادات: يا ريس الوضع هناك مفتوح لينا بشكل كامل، نقدر بعدد من الضربات العسكرية نحول القبائل اليمينة من تأييد النظام الملكي إلى تأييد النظام الجمهوري.

رُبما كانت تُداعبُه أحلام الزعامة في هذه اللحظة ورأى فيها الملاذ الأخير مُتناسيًا كُل القوى التي كان يُعاديها في القُطر العربي “السعودية-الأردن”، فعندما أذاعت صنعاء في صباح 26 سبتمبر 1962 قيام “عبدالله السلال” بالانقلاب على الأمير “محمد البدر”، اتخذت مصر قرارًا بالاعتراف بالنظام الجمهوري اليمني دعمًا لقوى الجيش والشعب من أجل التخلُص من الرجعية “كما كان يدعي”، سارت الأمور بشكل أكثر مما كان يتوقع فطلب “عبدالله السلال” من عبدالناصر مساعدات عسكرية لتمكين الجمهورية اليمنية من التخلُص من الملكية بشكل كامل.

 

ناصر: قواتنا العربية في اليمن ستعمل على القضاء على قواعد العدوان التي يقودها ملك السعودية ضد الثورة اليمنية، الأحرار لا يرفعون السلاح ضد الثوار من يرفع السلاح هم المأجورون وأصحاب المصالح.

انطلاق ناصر في مُحاربة كُل الأنظمة الملكية تحت ادعاء أنها أنظمة رجعية، ومُساعدة المد الثوري في كُل البُلدان العربية والأفريقية أحيانًا، ومحاولة زرع فكرة الثورة “الثورة العسكرية” لدى الشعوب كان هو الحُلم الثاني لعبدالناصر.

 

ودائمًا ما تكون الصحافة المصرية بقيادة الخالد أبدًا محمد حسنين هيكل الداعم والمساند الأول لأحلام ناصر، وصياغة توليفات كتابية لدعم الرئيس والحلم القومي ضد الرجعية الملكية.

فتحدث هيكل في مقالاته عن أهمية التدخُل في حرب اليمن لتخليص الشعب اليمني من حُكم الأئمة “الانعزالي” عن العالم الخارجي، مُحاولة من القوات العربية المصرية لنجدة الشعب اليمني الذي يعيش في العصور الوسطى ولابد أن يشعُر بالحُرية والديموقراطية.

وبالتوقف عند نقاط الحُرية والديموقراطية كانت أكثر النقاط التي يتعذر أمامها العقل والمنطق عن فهمها، دولة عبدالناصر التي حركت بعض التنظيمات للخروج في مظاهرات تنديدًا بالحُرية والحياة الحزبية للإطاحة بمحمد نجيب من الحكم واغتيال السنهوري للقضاء على مشروع الحياة الحزبية والقانونية وإرساء القواعد العسكرية داخل أروقة الحكم المصرية، تسعى إلى نقل الحُرية والديموقراطية إلى اليمن.

 

و هُنا تظهر القوات السعودية الأردنية “المدعومة بالمساعدات البريطانية” في تطاحُن مباشِر مع ناصر، ومحاولات ناصر لنشر المد الثوري “العسكري” إلى الشعوب، والمحاولات الملكية السعودية الأردنية في القضاء على أى فكرَة تُرسخ للجمهورية، ودائمًا ما يكونوا أصحاب القرار دون غيرهم.

ولعل مشهد الثورة/الانقلاب اليمني في سبتمبر 1962 ظَهر مؤخرًا على الساحة في عملية “عاصفة الحزم” التي تبنتها المملكة السعودية بدعم مصري ضد الحوثيين، ومع اختلاف سبب العملية العسكرية والفواعِل الدوليين المؤثرين فيها، تجد المملكة السعودية ومصر جنبًا إلى جنب في المشهد الطائفي “السني-الشيعي” 2015 عكس المشهد “الملكي-الجمهوري” في 1962.

فدائمًا ما يُحول أصحاب المطامع الشخصية والاستعمارية أحلام الشعوب وآمالِها إلى قضايا صراع فيما بينهُم ومَن يستطِع منهُم أن يفوز بتحقيق حُلم هذا الشعب، يكُون صاحب الحق في التهامُ آماله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد